نقابة عمال “سبينس”: ربح “معركة” البداية لا يعني انتهاء “الحرب”

في الوقت الذي “يمشي” فيه عمال لبنان بجانب “حائط” مؤسساتهم مرددين “يا رب السترة”، تبرز مخاوف حقيقية من تآكل حقوقهم وضياع كل المحطات النضالية والمكتسبات، المحققة على مر السنوات الماضية، بحجة الأزمة. في الأمس البعيد برز عند عمال شركة سبينس “بارقة” أمل بامكانية العودة إلى العمل النقابي الحقيقي المشروع بعيداً من سيطرة الأحزاب ومسك قرارها. فهل تُطفأ هذه الشعلة أو تشكل منارة يهتدي بها العمال في هذه الظروف الصعبة؟

ينتظر عمال “سبينس” في العشرين من الشهر الحالي ما سينتج عن جلسة محكمة الإستئناف التي ستنظر بشأن حكم “تكريس الحرية النقابية” الصادر عن القاضية المنفردة الجزائية في بيروت، رلى صفير في العام 2019. وقتذاك أدانت القاضية شركة “غراي ماكنزي ريتايل” المستثمرة لمتاجر “سبينس”، ومديرها العام السابق في لبنان مايكل ستيوارت رايت، فارضة التعويض المعنوي والمادي على المدّعين.

إنجاز نقابي

الحكم لصالح المدّعين، لا يؤدي برأي سمير طوق أحد مؤسسي “نقابة عمال سبينس” إلى “إنصافنا فحسب، إنما إلى تحقيق إنجاز سيبني عليه العمال “مداميك” كثيرة في معركة تحصيل الحقوق وتحسين شروط العمل أولاً، وباعادة الثقة بعمل المؤسسات والقضاء ثانياً. وفي حال تثبيت الإستئناف الحكم الأولي، يكون القضاء قد خلق نوعاً من التوازن بين صاحب العمل والأجير، ووضع أرباب العمل تحت المساءلة والمحاسبة، ليس فقط أمام محاكم العمل إنما أمام القضاء الجزائي أيضاً”. والمهم بالحكم من وجهة نظر طوق في حال كان لمصلحتهم هو “كسر حاجز الخوف عند العمال من الإنضواء تحت لواء النقابات، وصون حق المجاهرة بحرية العمل النقابي، وعودة الزخم للمطالبة بأبسط الحقوق المتعلقة بالدوامات والرواتب وظروف العمل”.

لا حل منذ 2012

قضية عمال “سبينس” ما زالت تجرجر منذ أوائل العام 2012، تاريخ بدء المطالبة بتطبيق مرسوم تصحيح الأجور الصادر عن الحكومة آنذاك. حيث دفع تمنع الشركة القديمة عن تحقيق المطالب، بمجموعة من الناشطين إلى تأسيس نقابة في العام 2013، عرفت بـ”نقابة العمال في شركة سبينس (spinneys) في لبنان”. هدفها الدفاع عن حقوق العمال والضغط لتحقيق المطالب. ومن وقتها فُتح باب المواجهة على مصراعيه بين الشركة والعمال. ولم تتوانَ الشركة بحسب طوق “عن ممارسة كل وسائل الترغيب والترهيب بحق العمال لمنع الإنتساب إلى النقابة”. ووصل بها الأمر إلى حد طرد كل من سمير طوق وميلاد بركات، ومخيبر حبشي وإيلي أبي حنا الذين يشكلون مجلس النقابة ويعتبرون المحركين الأساسيين لحملة المطالبة بالحقوق. في العام 2017 باعت شركة الأبراج المالكة القديمة لـ”سبينس” حصتها إلى شركاء محليين، إلا أن النزاع لم يتوقف من وجهة نظر طوق لسببين: الأول عدم رغبة الشركة الجديدة بتسجيل سابقة بانتصار العمال في معركة مطلبية، لانها تشجع البقية من العمال وتفتح المجال أمام مطالبات أوسع في المستقبل. ثانياً، لان الشركة الجديدة المسجلة بنفس الاسم تحمل بحسب قوانين التجارة و”الكوروبورت” الديون والنزاعات وكل ما يمت للقديمة بصلة”.

مواصلة الضغط

على الرغم من النزاع الكبير بين الطرفين، فقد خاضت النقابة المعركة على جبهتي محاكم العمل والقضاء الجزائي، واستطاعت تحقيق انتصار أولي في الإثنين. فربح مخيبر حبشي الحكم التمييزي في العمل. وربح المدّعون ميلاد بركات، سمير طوق وإيلي أبي حنا الحكم بتكريس الحرية النقابية ومعارضة حبسية لكل من تعرض لها” المرتكز على المادة 329. وتم إلزام الشركة دفع تعويض قدره 40 مليون ليرة لبنانية لكل من المدعين الثلاثة، وتكبيد المدعى عليهما، أي شركة “سبينس” والمدير التنفيذي السابق مايكل ستيوارت رايت النفقات كافة مع الحبس لمدة شهر بالتكافل والتضامن. هاتان الواقعتان تثلجان قلب طوق ورفاقه، وتعطيهم أملاً بـ”انتصار الحق”، بحسب طوق. “مع العلم أن إمكانية عدم صدور القرار في القريب العاجل ممكنة نتيجة تمديد المهل وعدم حضور المدعى عليهم كما حصل في الجلسة السابقة. كما أنه لا أحد يستطيع البناء على الأحكام الأولية لتحديد النتيجة التي ستصدر عن الإستئناف”.

الضبابية التي تغلف قرار الإستئناف يقابلها وضوح تام في الرؤية عند المدعين بمواصلة الضغط حتى تحقيق المطالب الثلاثة الإساسية: عودتهم إلى العمل، دفع التعويض لهم واستئناف العمل النقابي. فالنقابة الحائزة على ترخيص من وزارة العمل لا أحد يستطيع حلها. وهي ستعاود بحسب طوق “الإتصال مع كل العمال وتجميعهم على ما يخدم مصالحهم، وكسر الرهبة من الإنضمام اليها. فالضغوط التي مارستها الإدارة السابقة على كل من يتصل أو يجتمع أو يتفق مع النقابة… خلقت جواً من الذعر عند العمال والمستخدمين وجعلتهم يرضون بواقعهم خوفاً من صرفهم أو نقلهم إلى فروع بعيدة عن أماكن سكنهم أو اتخاذ اجراءات عقابية بحقهم. هذه المخاوف تعززت أكثر اليوم بسبب الأزمة وسعي العمال الدؤوب للمحافظة على فرص عملهم على حساب أي شيء آخر، ابتداء من الراتب ومروراً بساعات العمل ووصولاً إلى الحقوق والمكتسبات والتعويضات.

مخاض عمال “سبينس” الصعب الذي أخرجته أصوات نقابيين وناشطين متحمسين إلى العلن، يقابله خفوت أصوات آلاف العمال الذين يعانون من ظروف عمل مجحفة. فبالإضافة إلى المعادلة الصعبة التي فرضتها الأزمة الإقتصادية على العمال، وتخييرهم بين مُرَّيْ الصرف من العمل أو الرضوخ للشروط، فان العمال متروكون لمصيرهم. وعليه فان تحقيق أي مكسب نقابي يصب في مصلحة العمال قد يكون الشمعة التي تضيء عتمة هذه الأزمة الخانقة.