آلاف الليبيين يلاحقون أموالهم المصادرة في تونس

يسعى ليبيون لاسترداد أموالهم المحتجزة والمصادرة في تونس، وسط مساعٍ حكومية من البلدين لإيجاد تسوية قانونية من أجل إعادة الأموال إلى أصحاب الحق منهم. وفي هذا السياق، تم تكليف لجان مشتركة بدراسة ملفات المتضررين ومساعدتهم على استرجاع ما صودر منهم.

وطلبت التمثيليات الدبلوماسية الليبية في تونس (القنصلية العامة بصفاقس وسفارة ليبيا في تونس)، من الليبيين الذين تمت مصادرة أموالهم وممتلكاتهم في تونس إلى التقدم بطلبات من أجل استعادتها، شارحين فيها كافة الملابسات مشفوعة بالمستندات الدالة على ذلك، لإحالة الطلبات إلى لجنة رفع القيود على أموال وممتلكات المواطنين الليبيين المصادرة بالجمهورية التونسية.

ويعيد بدء التفاوض حول أموال وممتلكات الليبيين المصادرة الأمل لآلاف المتضررين خلال السنوات العشر الأخيرة، بعدما تسبب حجز الأموال في خسائر كبيرة لبعضهم وتعطل أعمالهم المرتبطة أساسا بالأنشطة التجارية.
ولا تتوافر أي أرقام رسمية تحدد قيمة الأموال الليبية المحتجزة لدى تونس وأسماء مستحقيها وظروف احتجازها.

يقول المواطن الليبي عدنان إن جهاز الجمارك في مطار تونس قرطاج حجز عام 2015 مبلغ 5 آلاف دولار كان بحوزته عند مغادرة تونس بعدما استكمل رحلة علاج في أحد المصحات.
وأكد عدنان لـ”العربي الجديد”، أنه كان يتردد على تونس بهدف العلاج من مرض وصفه بالخطير، وكان يجلب معه مصاريف التداوي نقدا بالدولار أو اليورو حسب العملة المتوفرة عندما كان بلده يعاني من شح كبير في السيولة ومن صعوبات في المعاملات المصرفية، غير أن الجمارك حجزت المبلغ بسبب مخالفته لقوانين الصرف وحيازة العملة الصعبة المطبقة في تونس.
وأَضاف المتحدث أنه حاول إيجاد تسويات لاستعادة أمواله بتقديم دلائل على استعمال الأموال التي كانت بحوزته لأغراض علاجية غير أن ذلك لم يكن كافيا، حسب قوله، وتم احتجاز المبلغ، مشيرا إلى أنه سيقدم طلبا إلى لجنة رفع القيود عن أموال الليبيين من أجل استعادة أمواله.
وتضغط السلطات الليبية لاستكمال تسوية نهائية لملف أموال مواطنيها المصادرة في تونس واستعادتها بعدما نوقش الملف بين سلطتي البلدين خلال الزيارة الرسمية لرئيس حكومة تونس هشام المشيشي إلى طرابلس في 22 مايو/ أيار الماضي.
وأكد الملحق الإعلامي بسفارة ليبيا في تونس جمال الكافالي أن لجنة مشتركة متعددة الاختصاصات تشكلت بين البلدين لرفع قيود المصادرة عن أموال وممتلكات مواطنين ليبيين في تونس، مؤكدا أن اللجنة تشتغل فقط على أموال المواطنين ولن تشمل أعمالها أموال الدولة الليبية.
وأفاد الكافالي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، بأن التمثيليات الدبلوماسية لبلاده فتحت باب التظلم للمواطنين من أجل تقديم ملفاتهم مشفوعة بالمستندات اللازمة بهدف حصر العدد التقريبي للمتضررين من المصادرة وضبط القيمة التقريبية للأموال والممتلكات التي جرى حجزها منذ عام 2011. وأشار الكافالي إلى أن السلطات التونسية أبدت تجاوبا كبيرا للبت في هذا الملف، موضحاً أن الأموال المحجوزة موزعة بين أجهزة الجمارك والشرطة والبنوك أيضا.

وفسّر في السياق ذاته أن الليبيين يجلبون معهم إلى تونس سيولة بالعملة الصعبة لغاية التجارة أو العلاج أو تسيير أعمال شركاتهم، وهي أموال غير موثقة بفواتير في الغالب، وهو ما يبرر حجزها من قبل السلطات التونسية، مشيرا إلى أن العديد من التجار الليبيين تضرروا من هذا الإجراء الذي تسبب لهم في خسائر كبيرة.

ورجّح الملحق الإعلامي بسفارة ليبيا في تونس أن تتوصل اللجنة المشتركة إلى تسوية الملف بوجود إرادة سياسية من البلدين لتجاوزه وتسهيل انسياب السلع وحركة الأموال والأشخاص من الجانبين.
وجاء مطلب رفع التجميد عن حسابات الليبيين المجمدة في تونس كشرط أساسي من حكومة عبد الحميد الدبيبة لبناء مستقبل اقتصادي مشترك، في وقت تحوّلت الجارة الجنوبية لتونس إلى ساحة سباق واسعة للشركات التي تسعى للمشاركة في إعمار البلد المنهك من الحرب والتوتر الأمني الذي دام نحو عشر سنوات.
وكان الدبيبة قد أكد، يوم 5 يوليو/ تموز الجاري، أن حكومته طالبت الحكومة التونسية باسترداد كل الأموال الليبية المحتجزة لديها، وأن تونس أبدت حسن النية في هذا الشأن.
ويشير الخبير الاقتصادي خالد النوري إلى أن ملف تسوية أموال الليبيين المصادرة في تونس لا يخلو من صعوبات بسبب تعدد هياكل المصادرة المتمثلة في الجمارك والشرطة والبنوك، مؤكدا أن التدقيق استنادا إلى الوثائق التي سيقدمها الليبيون يحتاج إلى وقت وجهد المختصين.
وأضاف النوري، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أن توفر إرادة سياسية من الجانبين قد يسهّل العملية ويسرع مسار استرداد الحقوق من الجانب الليبي.
وأفاد في سياق متصل، بأن ضغوط الاتحاد الأوروبي بوضع تونس ضمن قائمة الدول التي تسهل تبييض الأموال، تسبب في مغالاة من الأجهزة الرسمية التونسية في التعامل مع الليبيين الذين يعتمدون على السيولة لتسيير عملياتهم، مشيرا إلى أن شركات ليبية تدفع أجور موظفيها عبر المصارف التونسية زمن الأزمة.
وقبل الثورة في البلدين، كانت المصارف المشتركة أكثر ليونة في فتح الاعتمادات المستندية من أجل تسيير المبادلات التجارية عبر البلدين، غير أن إدراج تونس على اللوائح الدولية السوداء لتبييض الأموال جعل المصارف أكثر تشددا في مراقبة حركة الأموال بين تونس وجارتها الجنوبية.