أزمة الكهرباء في لبنان: تاريخ من الهدر والتقنين

تتفاقم حدّة أزمة الكهرباء في لبنان مع استمرار السلطة السياسية في اتخاذ قراراتٍ عشوائية “ترقيعية” في قطاع يعتبر شريانا اقتصاديا رئيسيا، وحاجة ملحة للأسر والشركات. وشهد لبنان، يوم الجمعة، توقف كل من معملي الزهراني (جنوب) ودير عمار (شمال) لتوليد الكهرباء تباعاً، نتيجة نفاد مخزونهما من مادة الغاز أويل.

ورغم الحل الجزئي للمشكلة، فقد كان لبنان أمام “بروفا” لما ستكون عليه المرحلة المقبلة، في حال بقيت محركات الحلول الشفافة مُطفَأة. وكان مشهد مطار بيروت الدولي المعتم، وكأنه رد على تصريحات المسؤولين الذين دعوا المغتربين والسياح إلى القدوم إلى لبنان.

يقول مارك أيوب، الباحث في مجال الطاقة في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، لـ”العربي الجديد”، إنه “قبل أزمة الفيول، كانت القوة التشغيلية في معمل دير عمار لتوليد الطاقة تبلغ بين 400 إلى 450 ميغاوات، وفي معمل الزهراني القوة نفسها، أما اليوم، فبالكاد يولّد كل معمل 200 ميغاوات، والأرقام إلى تغيّر مستمرّ في ظلّ الاتجاه إلى تخفيض إضافي في الإنتاج بسبب أزمة الفيول، ربما وصولاً إلى الإطفاء الكلي”.

ويوضح أيوب: “توقف أيضاً معملا الجية والذوق، نتيجة عدم القيام بأعمال الصيانة اللازمة، وهنا مشكلة يجب الإضاءة عليها، حيث إن الأزمة لا تقتصر فقط على صعيد الفيول، بل حاجة معامل توليد الكهرباء إلى الصيانة الدورية وقطع الغيار والمواد الكيميائية للتشغيل”.

ويلفت أيوب إلى أنه “عندما تتوقف خدمة المعامل، يلجأ الناس إلى المولدات التي تعمل على الديزل المعروف بتكلفته الأعلى، وقد بدأ التقنين يشمل هذا الخيار أيضاً”. وتلخّص جيسيكا عبيد، المهندسة المتخصّصة بالسياسات العامة في قطاع الكهرباء، الأزمة في لبنان بـ”حوكمة فاشلة، هدر، فساد، انعدام النوايا الإصلاحية”.

وتقول عبيد لـ”العربي الجديد”، إنّ “مشاكل الكهرباء في لبنان ليست تقنية، بل مرتبطة بضعف الحوكمة، وسط غياب تام للمحاسبة مع خرق فاضح للقانون، كما أن كلّ الحلول التي تلجأ إليها السلطة سريعة وغير مستدامة وأكثر كلفة وأكثر تلوثاً حتى، وتُتَخذ عند وقوع الكارثة وتفاقم الأزمة، فتطرح خيارا من اثنين السيئ والأسوأ، واليوم الخيارات هي، العتمة أو المسّ بالاحتياطي الإلزامي”.

من جهتها، تقول خبيرة النفط في الشرق الأوسط، لوري هايتيان، لـ”العربي الجديد”، إنّ “شركة كهرباء لبنان في حالة خسارة مستمرّة وتراكمية، وتعمل وفق منهج السلفات لتأمين الفيول، ما كلف خزينة الدولة مليارات الدولارات، وهي اليوم بحاجة إلى المال، وهنا المشكلة الأساسية لا الحصار الخارجي، وهذا كله في ظلّ غياب البدائل، حتى مسار شراء النفط العراقي لا يمكن وضعه إلا في خانة الحلول المؤقتة والآنية، طالما لا توجد معالجة شاملة وانتظام على مختلف المستويات وحكومة جديدة إصلاحية تباشر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي”.

وتلفت إلى أن “انعكاسات أزمة الكهرباء خطيرة جداً، فهي أشبه بأحجار الدومينو التي بسقوط واحدة تنهار كل المجموعة، بدءاً بالاقتصاد، الذي يُضرب بالكامل، إلى القطاعات على اختلافها، صحية، غذائية، سياحية، وما إلى ذلك من الخدمات، ورأينا أخيراً كيف تفاقمت أزمة المياه وطاولتها سياسة التقنين مع ندرة المازوت أيضاً، وهناك مناطق عدّة تعاني من نقصٍ حادّ ولا تصل إليها المياه ورفعت الصوت عالياً وما من مستجيب”.

بدوره، يقول المؤرخ والباحث عن تاريخ لبنان، زياد أبو الرّيش، لـ”العربي الجديد”، إن “قطاع الكهرباء له تاريخ اجتماعي وسياسي حافل يرتبط بالتنمية الاقتصادية والحركات الاحتجاجية، وكانت حصلت حملات مقاطعة منظمة عدّة قام بها سكان بيروت وغير مدن دعت إلى تأمين الكهرباء بسعر عادل وكمية كافية ونوعية مناسبة”.

ويوضح أن “المشاكل في القطاع ليست مرتبطة فقط بفترة الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) وفترة ما بعد الحرب، بل ظهرت في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات نتيجة منظومة قطاع الكهرباء وارتباطه بسياسات الانتداب الفرنسي التي تبنتها الدولة اللبنانية في بداية حقبة الاستقلال”.

ويشير إلى أنه “تاريخياً، كان التقنين غير منظّم، ما أحدث في كثير من المراحل فوضى عارمة في البلاد. أما اليوم فبات التقنين منظما، علماً أننا نعيش في هذه الفترة أسوأ حالة تقنين، منذ أول تقنين رسمي شهده لبنان عام 1952”.

ويلفت أبو الرّيش إلى أنّ “غالبية الحكومات التي تشكلت رفعت وعوداً بإصلاح قطاع الكهرباء، ولم تفِ بها، رغم أنها حصلت على الكثير من المساعدات والقروض والمنح الخارجية لأجل تنفيذ هذه الإصلاحات على مدى ثلاثين عاماً وأكثر، من هنا نرى اليوم أنّ الإصلاح وإعادة هيكلة قطاع الكهرباء من الشروط التي يضعها المجتمع الدولي والدول الداعمة لمساعدة لبنان”.