الاستدانة الداخلية ملاذ حكومة الجزائر للخروج من النفق المظلم

دفع العجز غير المسبوق الذي تعيشه موازنة الجزائر، بالبنك المركزي إلى التدخل لإنقاذ الحكومة وإخراجها من النفق المظلم، وبعث بعض المشاريع الحكومية الكبرى، وتمويل فاتورة الدعم، في ظل شح الموارد وتبخر احتياطي الصرف بصفة متسارعة بسبب تهاوي عائدات النفط.
ووضع بنك الجزائر (البنك المركزي) برنامجا خاصا لإعادة التمويل، لمدة سنة ابتداء من يوليو/ تموز الحالي، بسقف تمويلي قدره 2100 مليار دينار (15.7 مليار دولار) كدعم لبرنامج إنعاش الاقتصاد الوطني.
وحسب نظام جديد لبنك الجزائر نشر في الجريدة الرسمية، فإن عمليات إعادة التمويل تتعلق بـ”الأذونات التي تصدرها الخزينة العمومية في إطار إعادة شراء القروض المجمعة”.

وضع البنك المركزي برنامجا خاصا لإعادة التمويل، لمدة سنة ابتداء من يوليو، بسقف قدره 2100 مليار دينار (15.7 مليار دولار) كدعم لبرنامج إنعاش الاقتصاد

وتواجه الحكومة الجديدة تحت قيادة وزير المالية الأسبق، أيمن بن عبد الرحمان، صعوبة في إيجاد الموارد المالية لتمويل الموازنة التكميلية لسنة 2021، إذ تجد الحكومة نفسها أمام تحدي الحسابات السياسية، التي تلقي بظلالها على إعداد قانون المالية، والامتحان صعب، حيث ضرورة الإبقاء على ميزانية الدعم لشراء السلم الاجتماعي، في مقابل صعوبة جمع الأموال، في ظل شح الموارد المالية.

ويبين الخبير المالي، نبيل جمعة، أن “البرنامج الخاص لإعادة التمويل الذي وضعه المركزي الجزائري، يعتمد على السندات، وهو يختلف من حيث الشكل وطريقة التمويل عن طباعة النقود، فهذه الأوراق المالية تعتبر دينا للبنوك، البرنامج يمتد على مدار سنة والمقابل الذي يمنحه المركزي للحكومة هو غطاء نقدي عبارة عن أذونات الخزينة، من الجانب المالي والاقتصادي هذا النمط من التمويل هو أقل ضررا من الأنماط المعتمدة سابقا، على غرار طباعة النقود مثلا، أو التفكير في الاستدانة الخارجية”.

وأضاف الخبير المالي في تصريح لـ “العربي الجديد” أن “المهم كيف ستنفق الأموال؟، وتساءل: “هل الانفاق لتمويل الاقتصاد كما هو ظاهر في الجريدة الرسمية، أم سيوجه لتغطية عجز الموازنة في مجال الإنفاق العام على الدعم والمشاريع الحكومة غير الاقتصادية؟

وقال إن المهم أيضا هو ما هو تأثير هذه العملية على العملة الوطنية الدينار؟ وهل ستُتبع عملية التمويل بتعويم جديد للعملة؟ الأكيد نعم لكن بأي قدر وبأي أثر على التضخم.
وارتفع الإنفاق في الموازنة الجزائرية هذا العام، ما رفع حجمها إلى 64 مليار دولار، وضيّق الخيارات أمام الحكومة ورئيسها لإيجاد الموارد المالية الكافية لتمويل الموازنة الثانية للسنة الحالية، وسد ثغرة العجز، في وقت تعيش فيه الجزائر “عجزاً مركباً” على مختلف الأصعدة.

لأرقام الحكومية تكشف عن تهاوي الاحتياطي الأجنبي إلى 47 مليار دولار، مقابل 72.6 مليار دولار في شهر إبريل/ نيسان 2019

وحسب أرقام الحكومة الجزائرية، في موازنة 2021 الثانية، فإن عجز الموازنة المتوقع يقدر بنحو 3310 مليارات دينار أو ما يعادل 24.82 مليار دولار، وهو يفوق مستوى إيرادات النفط، فيما قدرت الحكومة السابقة عجز الخزينة العمومية بحوالي 4140 مليار دينار أو ما يعادل 31.04 مليار دولار، وتقدر حاجيات التمويل إجمالا بحوالي 3954 مليار دينار أو ما يعادل 29.64 مليار دولار.
ويشـكل العجز في الميزانية أحد المحددات الهامة التي تتم مـراعاتها في مؤشرات التوازنات المالية العامة، خاصة في ظل تـقـلبات الإيرادات وارتـفاع الإنفاق الذي تتوقعه الحكومة عند 8642 مليار دينار أو ما يعادل 64.78 مليار دولار.

ويدعو الخبير الاقتصادي والمستشار لدى رئيس الحكومة، عبد الرحمان مبتول، “السلطات العمومية لفك شفرة التعامل وإدارة أشكال العجز في الموازنة وبحث كيفية تغطية هذا العجز، فضلا عـن تحديد القيمة المتوقعة للحاجة إلى التمويل”.

ويضيف مبتول، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “قيمة العجز والحاجة إلى التمويل بالمليارات، لذا نرى ضرورة أن تُطمئن السلطات العمومية المواطنين والمتابعين حول كيفية تغطية القيمة لأنه ليس مبلغا صغيرا ويحتاج إلى مـورد واضح”.
ويشرح أنه بالنسبة للبدائل فإن العودة إلى التمويل غير التقليدي أي طباعة النقود، متاحة لأن الرخصة القانونية لا تزال قائمة إلى غاية 2022، قائلا: “سبق أن نبهنا إلى ضرورة قيام البرلمان بتعديل الرخصة، كبديل عن الاستدانة الداخلية التي تم تجريبها ولم تؤد إلى نتائج على غرار القرض السندي لأن الأمر يتعلق بالحاجة إلى موارد عـاجلة”.

تتزايد المخاوف في الجزائر من التآكل السريع لاحتياطي النقد الأجنبي واتساع العجز في بلد يعتمد نمطاً تقشفياً منذ 5 سنوات

ويلفت مبتول إلى أن خيار التقشف وشد الحزام مستبعد في ظل ضغط الجبهة الاجتماعية وتبعات الأوضاع المتصـلـة بالجائحة، “إذ لا يمكن المساس بميـزانـيـة الـتسيير الـتـي تتمثل في كتلة الأجور، لذا وجب توضيح الأمـور حـول آليات تغطية العجز وكما رأينا في السابق فـإن تجربـة الـقـرض السندي تـعـكس صعوبة تجنيد موارد داخلية”.
وتتزايد المخاوف في الجزائر من التآكل السريع لاحتياطي النقد الأجنبي واتساع العجز في بلد يعتمد نمطاً تقشفياً منذ 5 سنوات.

فآخر الأرقام الحكومية الرسمية هذا العام كشفت عن تهاوي الاحتياطي الأجنبي إلى 47 مليار دولار، مقابل 72.6 مليار دولار في شهر إبريل/ نيسان 2019. وتتوقع الحكومة أن يستمر تبخر احتياطي الصرف الأجنبي خلال الفترة المقبلة.