المعارض تبلّ “ريق” كسروان ولا ترويها

رزق لبنان مقطوع، وحبّات ترابه تجفّ وزيتونه يبكي. حتّى الزّرع متجهّم الوجه مع اقتراب عيد السيّدة وذكرى القدّيسين الّتي كانت على موعد مع المهرجانات المنتظرة. فهل ستـــأتي أيام الفــرح هذا العام أم ستغيب كما غابت في العام الماضي؟ وما هي البدائل التي يمكن أن تحلّ محلّها؟

هذه المواعيد هي تجربة تناقلها النّاس كما يتناقلون طقوس أعراس الضيعة ومواسم جني المحاصيل المرتبطة بحياتهم، والمحاطة بالخير والتّعاون والثّمر الّذي يثري العلاقات البشريّة المكوّنة لمجتمع الضيعة، فيتعايش الإنسان مع أخيه الإنسان بحكم التّجاور والاحتكاك اليّومي، ما يوفر الفرص الطّبيعيّة للاشتراك في التّقاليد، وفي ما يحيط بها من مشاعر الحبّ.

كلّ هذا الجوّ أصبح “في خبر كان” مع الأزمة الاقتصاديّة، وباتت الأسئلة تؤلم وتحرّك مشاعر المتضرّرين من أهالي الضّيع والبلدات الكسروانيّة الّتي يغيب بعضها عن بعض في مهرجانات فصل الصّيف ومعارضه، كأنّ السؤال يذكّر بالهمّ، وهم يركضون خلف لقمة عيشهم. بعض الأهالي في كسروان لا يفهمون لِمَ حركة السّيّارات المستأجرة التي تشي بحركة سياحة تذهب الى جبيل والبترون ويتمنون من البلديات أن تلفت النّظر إليهم عسى أن تعود الفرحة إلى منازلهم.

ad

البلديّات لا تعرف كيف تموّل فرح الضيع!

لا يريد “إيلي زريق” (من زوق مكايل)، رسام بيروت القديمة، الذي يخطّ بريشته القرميد، الكلام في السّياسة “لكن في الواقع، الطّبقة السّياسيّة سرقت الفرح من المواطن” على حد تعبيره. ينسى همّه عندما ينقش تاريخ لبنان بجرار المياه وصورته الروحية التي تتحوّل زوّادة لمؤمن ببلده وبالله. يأمل من البلدية أن تقدم “لمسةً ما” تبلّ ريق الشّارع، متحفظًا على كلمة “عتب” على البلديّة. فبنظره، البلدة لأبنائها الّذين يلتفّون حولها، مصراً على “نداء الوطن” أن توصل دمعته الى أكبر مسؤول في الدّولة مردّداً “اللّبنانيّ حرام يعيش مع هذه الطّبقة السّياسيّة، هم يستغلّوننا كأنّنا أوراق انتخابيّة” يتمتم.

هكذا باشرت “نداء الوطن” سؤال نائب رئيس بلدية زوق مكايل السيد بيار الأشقر المسؤول عن ليالي السوق العتيق الذي أكّد أنّه لا مدخول للبلدية ولا جباية كي تباشر البلديّة بهذه الخطوة، فهي بالكاد تسدّد رواتب الموظفين، ونشاط كهذا مكلف لأنه ملقى على عاتق البلدية وليس على عاتق الحرفيين وأصحاب المحال. ويستفيض رئيس بلدية زوق مكايل “إيلي بعينو” في الكلام عن إمكانيات البلدية “المضروب” بالتّزامن مع تردّي الأوضاع الاقتصاديّة، بوصفها مبرّراً لغياب مهرجانات السّوق العتيق. فعلى حدّ تعبيره، كل بلديات لبنان واقعة في هذه الأزمة، وهو يدعو للدولة أن يعينها الله، خصوصاً أن خطوة تحريك الشارع متعلّقة بالتّمويل، ولا أفق ليكون هناك مدخول لهذه البلديّة؛ فالقدرة الشّرائيّة محدودة، وما يدفعه المواطن لا يناهز التكاليف التي تدفعها البلدية، تلك التكاليف التي ارتفعت عشرة أضعاف.

ومع تحول المال الى “ورقة مونوبولي” لا يكاد هذا الحرفي يؤمن قوته اليومي. فلا مجالات أمامه للبيع. تعود “ماري زغيب”، وهي مستأجرة قديمة في سوق الزوق العتيق، بالذاكرة الى أكثر من 60 سنة عندما كان متجرها مخصّصاً لبيع السمانة، وتقص على مسامعنا قصة حياة تجارتها التي بدأت بوصفها إرثاً عن أهل زوجها، وتحول فيما بعد الى متجر لبيع التذكارات والصناعة الحرفية، بعد أن أوصت البلدية بذلك عندما فعّلت المعارض في السوق عام 1995 المصنف أثرياً. وهذا الموسم الثاني الذي لم تنظم فيه البلدية معرضًا. غير أن الحركة التجارية بدأت تخف تدريجيّا مع بداية الأزمة الاقتصادية منذ أربع سنوات، تلك الأزمة التي أطفأت شعلة الزوق. تضع “ماري زغيب” يدها على خدها عندما تفكّر في تكلفة إيجار المحل، خصوصاً أن المالك قرر رفع السعر مع تبدل سعر الصرف، ومع نسبة البيع التي لا تصل الى الزبون الواحد في الأسبوع، وهذا لا يكفي لتأمين مصروف المحل.

ad

الجمود هو سيد الموقف في بعض الضيع الكسروانية؛ فغوسطا العلية التي تحظى باهتمام آل خازن، هادئة هذا العام، والعائلة منكبّة، كما رئيس بلدية غوسطا زياد الشلفون، على متابعة الوضع الاقتصادي الذي “جمّد” أبناء الضيعة، فكل مصالحهم متضررة حتى الدكاكين أقفلت أبوابها. وكذلك هي حال رئيس بلدية ميروبا “جورج سعادة” الذي يبكي حال المزارعين المنهمكين في مشاكلهم، فيخبر بغضب عند سؤاله عمّن قد يشارك بالمعرض، بأنّ سعر الأدوية والأسمدة والمبيدات مرتفع للغاية، مشيراً إلى أنه “حتى لا يمكن للمزارع ان يفلح الأرض”.

أمّا لجنة مهرجانات جونية الدوليّة، فتختصر إشكالية غياب المهرجانات عن كل المناطق، فقد ربطت المسألة بكورونا والأزمة الاقتصادية الكبيرة؛ فهما عاملان أثّرا على الاحتفالات في لبنان، فتمّ التّأجيل إلى أجل غير مسمى تحسساً بمعاناة المواطنين، خصوصاً، بحسب أحد أعضائها، أن رعاة المهرجان في جونية، والشركات الكبيرة والمصارف لا تريد أن تصرف أموالاً. كما أن الفنانين لا يمكنهم الحضور في أماكن مكتظّة. ومع ذلك تفكّر بلديّة جونية وتناقش خطوة المعرض ونشاطات سياحية أقلّ زخماً وضجة من “بنص جونية”، لكنّها تهدف إلى تحريك الشّارع مع العلم أنها تطرح علامات استفهام حول التمويل.

المعارض تحلّ محلّ المهرجانات

عيد السيدة في حراجل يجمع حوله المزارعين. ولا تريد بلدية حراجل طرد هذه العادة من ذاكرة أبناء البلدة؛ فالحياة بالنسبة الى رئيس بلدية حراجل “طوني زغيب” تسير جنباً إلى جنب مع الأمل. هكذا انطلق التخطيط إلى معرض حراجل مع كلّ التردّد المرافق لهذه الخطوة. وما يشجع على ذلك هو “الأمل” الذي سيدخله هذا المعرض التراثي الزراعي إلى البلدة. ودور البلدية هو نشر الفرح في نفق العتمة ليتمسك ابن البلدة بأرضه، فيبقى ويزرع التفاح والبندورة والإجاص، ويبيع كمية منها في المعرض، فيتنافس أبناء الضيعة بين بعضهم على أكبر راس بندورة، وبذلك يتم إحياء العادات والتقاليد الضيعوية من اشغال ومأكولات. هذا الرجل غير متفائل بسبب الوضع الاقتصادي واختلاطه بعائلات تعيش المرّ لكنه لا يريد الاستسلام متخطياً الصعوبات المادية فيشرك الناس في النشاطات.

خطوة استبدال المهرجانات بالمعارض تنسحب على فقرا – كفردبيان. فيخبر رئيس لجنة المهرجانات المحامي منصور مهنا أن التكلفة العالية والمستوى المرتفع للفنانين الذين تستقبلهم البلدة أجبر المنظمين على استبدال هذه الخطوة بمعرض لأن فكرة الاحتفالات الكبيرة مخاطرة كبيرة في هذا الوضع الاقتصادي، مشيراً إلى الانطلاق، بالتعاون مع البلدية، الى تنظيم سوق ضمن الموقع الأثري لتسويق منتجات كفردبيان من مونة وحرفيّات. فهناك مجموعة كبيرة من أهالي المنطقة يبدعون بإنتاج الأرض كجمعية الأطايب التي تحفّز الاقتصاد الريفي بصورة عامة، والنساء بصورة خاصة، برئيستها سميرة زغيب التي تستهدف مجموعة نساء تقدمن في العمر، فيكتفين مادياً في بلد لا يضمن الشيخوخة، من خلال خلق فرصة عمل لهن عبر نتاج أرض كفردبيان، فينتجن المونة كالكبيس والمربى بمعايير عالمية ويعرضن منتجاتهنّ في معرض كفردبيان – فقرا كما يصدّرنها. ويشكّل المعرض إحدى النوافذ، إذ يدر على الاقتصاد الريفي مدخولاً، كما على المزارعين الذين قد يكونون من أفراد عائلة النساء. هذا المعرض غير المقتصر على النساء يستهدف أيضا عقولاً مبدعة كإيليا بعينو (24 عاماً ) الذي “اخترع” عرقاً من التفاح، ويصنع نبيذاً من التفاح أيضا، وهو الأول من نوعه في لبنان، ينطلق من كفردبيان ويصدر الى البرازيل وألمانيا وفرنسا. إيليا مهندس كهرباء اخترع الآلة التي تصنع النبيذ والعرق وبدأ مسيرته من معرض كفردبيان الذي يشارك فيه هذا العام. لهذا المنتج قصة فبدل التخلص من التفاح ورميه بعد أن يفسد إن لم يستطع الأهل تصريف المنتج، يتحول بعد اختراع الآلة الى نبيذ وعرق. عائلته كلها منهمكة في هذا العمل، وهو يعمل على محو التمييز في الضيعة، فيوظف أبناء بلدته من ذوي الاحتياجات الخاصة ليستفيدوا من المردود المالي عبر تعبئة العبوات.

الجهد المتواصل بـ”نفض غبار الموت الحضاري في كفردبيان – فقرا ” وهو التعبير الذي يطلقه على نفسه القنصل العام لمالاوي في لبنان أنطوان عقيقي المشارك في المعرض، بالفعل الذي يقوم به عبر نبيذه سمة من سمات أبناء هذه البلدة. وذلك قبل أن ينطلق في الشرح عن السياحة الداخلية والخارجية التي تستلزم خلق المناخ الإنساني والنفساني، لأن الآثار متعلقة بالإنسان. عقيقي الذي يحمل في جيبه مسبحة يوحنا بولس الثاني، يبحث عبر المشاركة في المعرض إلى الجذب نحو “قرية جنائن الشمس” التي تقع تحت فقرا على التمام، وهي ملكه وترمز إلى المسيح وفلسطين، ومنها يخرج النبيذ الأبيض والاحمر والزهري الذي يباع في المعرض.

كفردبيان – فقرا التي هي وسط خريطة لبنان على حد تعبير عضو البلدية وليد بعينو، نقطة جذب للمستثمرين والفنادق بتصاميم لبنانية، وهي اليوم نقطة جذب للسياحة الداخلية والخارجية، مع خطة البلدية لتطويق كورونا في البلدة عبر خلية أزمة تحسباً للانتشار لتبقى الضيعة منارة سياحية. هكذا توجه عدد كبير من محبي السفر الى الشاليهات في المنطقة. فكل الوحدات السكنية والمطاعم مزدحمة مع اكتشاف المواطنين بعداً جديداً للسياحة في البلدة عبر الزواريب الضيقة وجمالها الطبيعي وبساتينها.

مع ذلك كل هذا الجهد وفق منطق التنافس بين البلديات في اللامركزية الإدارية، اتحاد بلديات كسروان مقصّر مع الأهالي في ظل غياب خطة تشمل كل القضاء وذلك يبرز في التفاصيل الصغيرة وأمنيات أهالي الضيع.

 المصدر: نداء الوطن

ريتا بولس شهوان