العراق يصر على تنفيذ أنبوب “بصرة ـ عقبة” النفطي رغم الانتقادات

يبدو أن الحكومة العراقية ماضية في طريقها لإنشاء أنبوب نقل النفط من البصرة إلى ميناء العقبة الأردني، على الرغم من تصاعد حدة الانتقادات الموجهة إليها من جهات سياسية وخبراء اقتصاديين حول عدم أهميته، والتوقعات بألا يحقق أرباحاً كبيرة للبلاد.
ومنذ الإعلان عن الاتفاق بين الحكومة العراقية السابقة، برئاسة عادل عبد المهدي، والحكومة الأردنية في عام 2019، واجه سلسلة انتقادات وتشكيك من أحزاب وجماعات شيعية، وصلت إلى حد اعتباره بدايةً للعلاقة مع إسرائيل خلال الفترة المقبلة.
لكن قمة بغداد التي انعقدت أخيراً بين العراق ومصر والأردن تجاهلت هذه الانتقادات والاعتراضات، واعتبرت إنشاء الأنبوب خطوةً مهمة لتعزيز التعاون الاقتصادي في ما بينها، وتعزيز خيارات العراق في إيجاد منافذ جديدة لتصدير نفطه تُضاف إلى منصاته على الخليج العربي.

وتم الاتفاق في عام 2019 على إنشاء أنبوب، وبلغت الطاقة التصميمية للمشروع مليون برميل يومياً (منها 150 ألف برميل لتشغيل مصفاة الزرقاء في الأردن) لنقل النفط الخام العراقي عبر الأراضي الأردنية إلى مرافئ التصدير على ساحل البحر الأحمر في العقبة. ويتضمن المشروع أيضاً تنفيذ خط تبلغ طاقته التصميمية 358 مليون متر مكعب يومياً لنقل الغاز الطبيعي.

26 مليار دولار كلفة الأنبوب

وكشف وزير النفط العراقي، إحسان عبد الجبار، أن كلفة إنشاء أنبوب نفط “بصرة – عقبة” ستبلغ نحو 26 ملياراً عن طريق الاستثمار من قبل شركات خاصة، مبيناً أن كلفة المشروع لن تُرَد إلا بعد 50 سنة، بحسب صيغة العقد المقترح لإنشائه. وأضاف عبد الجبار أن “معدل التصدير من خلال الأنبوب سيتراوح ما بين 200 ألف ومليون برميل يومياً”، لافتاً إلى أن “العراق يرغب بزيادة تصديره إلى خمسة ملايين برميل يومياً”.
وبيّن عبد الجبار أن الأردن سيأخذ عن كل برميل 30 سنتاً وأن مصر تستورد 24 مليون برميل سنوياً.

غير مجدٍ اقتصادياً

لكن بعض الباحثين في مجال النفط والطاقة وجدوا أن كلفة إنشاء المشروع مرتفعة جداً، وقد يتعرض لمخاطر كبيرة لكونه يمر في أراضٍ لا تزال تشهد نشاطاً لتنظيم “داعش”.

وقال الباحث في مجال النفط حمزة الجواهري إن “الكُلف المرتفعة لتصدير النفط العراقي عبر الأنبوب العراقي – الأردني والمخاطر الأمنية من تفجيره تجعل منه غير مجدٍ اقتصادياً”. وأضاف الجواهري أن “26 مليار دولار كُلفة إنشاء الأنبوب النفطي وهو رقم كبير، ما يعني أن كُلفة مرور برميل النفط الواحد ستبلغ تسعة دولارات، في المقابل فإن كُلفة تصديره من الخليج عبر موانئ البصرة هي 60 سنتاً”، لافتاً إلى أن “الأنبوب النفطي يمر في وادي حوران عبر الصحراء التي يملك فيها (داعش) نفوذاً، ومن الصعب حماية العاملين بالأنبوب النفطي أثناء إنشائه أو بعد المباشرة بعملية التصدير”.

خسائر عراقية

وأوضح الجواهري أن “هذا الأمر سيؤدي إلى خسائر للعراق نتيجة تسرّب عشرات آلاف براميل النفط، ووقت تصليحه الذي قد يستغرق عشرة أيام، فضلاً عن صعوبة تأمين الحماية لفرق الصيانة في تلك المنطقة”، لافتاً إلى أن “العراق سيقدم ضمانات سيادية من أجل إنشاء هذا الأنبوب كونه سيكون أنبوباً عراقياً، وبالتالي سيكون المستفيدان هما الأردن ومصر، فيما العراق سيتحمل أي خسائر تطرأ”.

إسرائيل موجودة

كذلك أوضح الجواهري أن “الأنبوب يمر عبر مضيق تيران الذي تتحكم به إسرائيل بضمان عشر دول جميعها على علاقة جيدة بها”، معتبراً أن “أفضل الحلول هو استمرار تصدير النفط عن طريق موانئ البصرة على الخليج مع زيادة قدرتها التصديرية”، مستبعداً استمرار أي أزمة سياسية في مضيق هرمز، “كون أن 20 في المئة من النفط العالمي يخرج من منطقة الخليج ودول العالم لن تسمح بتوقفه”.

الطاقة البديلة

بدوره، رأى نائب الرئيس الأسبق للجنة الطاقة النيابية عبد الهادي الحساني أن “التوجه العالمي نحو الطاقة النظيفة سيؤدي إلى قلة الاعتماد على النفط”، مشيراً إلى أن “منفذ العراق على الخليج العربي كافٍ لقدرته التصديرية”. وأضاف أن “الأنبوب النفطي وإن كان ضرورة في فترة معينة ومفيداً لتنويع مصادر التصدير لكن بعد عام 2030 سيكون الطلب على النفط بمقدار النصف نتيجة الإقبال على الطاقة النظيفة. وعلى المدى البعيد لن تكون له جدوى اقتصادية كبيرة”، لافتاً إلى القدرة على زيادة “الطاقة التصديرية لموانئ البصرة إلى خمسة ملايين برميل”.
وشدد الحساني على “استثمار الغاز المصاحب والغاز الحر وتصدير الفائض عن الحاجة المحلية لأن الإقبال العالمي سيكون على الطاقة النظيفة، فضلاً عن ضرورة التركيز على الاستثمار بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح”.

فوائد اقتصادية للعراق

في المقابل، اعتبر متخصصون أن هناك فوائد اقتصادية سيجنيها العراق من زيادة منافذه التصديرية، في وقت رجحوا استمرار الطلب العالمي على النفط لسنوات طويلة.
وقال مدير “مركز العراق للدراسات الاستراتيجية”، الدكتور غازي فيصل، إن “تعدد منافذ العراق التصديرية ضروري من أجل زيادة قدراته على تصدير النفط، وإحراز المنافع الاقتصادية المتبادلة بينه وبين الدول المحيطة به”. وأضاف أن “هناك ضرورة لزيادة منافذ تصدير النفط العراقي نحو الخارج، لا سيما أن إمدادات النفط في أفريقيا وآسيا في طور النضوب، فضلاً على أن قدرة العراق الحالية التصديرية تقارب أربعة ملايين برميل، مع وجود مشاكل متكررة في تصدير النفط عبر أنبوب نفط جيهان التركي”، مبيناً أن “الأنبوب العراقي – الأردني سيعمل على زيادة القدرة التصديرية بمقدار مليون برميل يومياً، إضافة إلى أنه سيكون منفذاً للعراق عبر البحر المتوسط من خلال ميناء العقبة”.

 

وأشار فيصل إلى أن “الأنبوب سيسهل نقل النفط الخام إلى الأردن ومصر بدل نقله بالسيارات الحوضية”، لافتاً إلى أنه “على الرغم من الكُلف المرتفعة لإنشاء الأنبوب النفطي فإنه سيحقق عائدات كبيرة للعراق على المدى البعيد، لا سيما أن الأردن أكثر أماناً من سوريا”.
ورأى فيصل أن “الانتقادات للمشروع ليست جديدة وقد لمسناها عند بناء الأنبوب النفطي العراقي – التركي، إلا أنه أثبت مع مرور الزمن أن فيه منافع كبيرة باعتباره مشروعاً استراتيجياً”.

وبدأ العمل بتشغيل الأنبوب العراقي – التركي عام 1976، حين بدأ تصدير نفط العراق من حقول كركوك إلى ميناء جيهان التركي، بطاقة تصميمية بلغت 1.6 مليون برميل، إلا أن طاقته الفعلية انخفضت إلى 600 ألف برميل في أفضل الحالات، نتيجة قدمه وتضرر أجزاء واسعة منه بسبب هجمات الجماعات المسلحة التي استهدفته بالعبوات الناسفة منذ عام 2003.

زيادة قدرة العراق التصديرية

من جانبه، صرح الباحث الاقتصادي صالح الهماشي أن “الأنبوب الجديد سيزيد قدرة العراق التصديرية ما سينعكس على زيادة موارده المالية”. وقال الهماشي إن “العراق يسعى إلى تنويع مصادر تصديره. والأنبوب النفطي الذي يسير عبر أراضي الأردن وصولاً إلى ميناء العقبة يُعد أحد المنافذ الأساسية لزيادة قدرة العراق التصديرية بمقدار مليون برميل يومياً”، لافتاً إلى أن “إنشاء المشروع على الرغم من الكلفة المرتفعة سيقّرب العراق من زيادة قدراته التصديرية إلى سبعة ملايين برميل يومياً في عام 2025”.
وتابع قائلاً إن “تكاليف إنتاج النفط ستكون أعلى، إلا أنه وفق الأسعار الحالية ستزيد إيرادات العراق المالية إلى نحو 15 مليار دولا سنوياً، نتيجة الزيادة المتوقعة في قدرته التصديرية، وسيقلل من المخاطر الأمنية في حال حدوث أي طارئ في مضيق هرمز”، مشيراً إلى “وجود مقترح عراقي لإنشاء أنبوب آخر يمتد إلى الأراضي السعودية عبر البحر الأحمر بطاقة مليون برميل من النفط الخام يومياً”.

العقوبات والاضطرابات أجلته

ومنذ تسعينيات القرن الماضي حاول العراق تحقيق تقدم ملحوظ في موضوع إنشاء أنبوب نفطي يمتد من الأراضي العراقية إلى الأراضي الأردنية، ليصل إلى هدفه الأساسي في ميناء العقبة، لكن العقبات التي واجهت الحكومات العراقية كانت مختلفة، أولاها العقوبات وثانيتها انهيار الوضع الأمني خصوصاً في الأنبار التي يمر الأنبوب عبر أراضيها.
وخلال فترة حكم صدام حسين جرى التفكير بخلق منافذ تصديرية جديدة بعد تعرض منافذ البصرة إلى هجمات خلال الحرب العراقية – الإيرانية، وإغلاق النظام السوري الأنبوب العراقي المار عبر أراضيه إلى ميناء بانياس، ولهذا فإن التوجه كان نحو إنشاء سلسلة أنابيب مع دول الجوار لضمان استمرار صادرات النفط العراقي وعدم تأثر الاقتصاد العراقي بالحرب.
لكن ما حصل بعد قيام النظام بغزو دولة الكويت في عام 1990 وتعرض العراق إلى عقوبات دولية، أوقف أغلب هذه المشاريع وجعل منها حبراً على ورق ومجرد حديث رسمي عراقي للاستهلاك الداخلي، ولم تستطع الحكومة العراقية في حينه تفعيل أي مشروع لبناء الأنابيب سواء داخلياً أو خارجياً بسبب العقوبات، ما اضطرها إلى العودة للتصدير عبر منافذ البصرة والأنبوب العراقي – التركي.

وبعد أبريل (نيسان) 2003، لم تتحرك الحكومات العراقية بشكل فعّال لإثارة ملف إنشاء أنبوب لنقل النفط إلى الأردن إلا في نهاية عام 2018، بعد قناعة الحكومة العراقية بضرورة إيجاد منفذ جديد للتصدير خارج منافذ البصرة والأنبوب العراقي – التركي، كون أن الاثنين لم يعودا كافيَين لتصدير إنتاج النفط العراقي خلال السنوات المقبلة، الذي يُتوقع أن يصل إلى أكثر من سبعة ملايين برميل يومياً.