“بلا عازة”.. البطاقة التمويلية حقنة “مورفين” تؤجّل الانهيار الشامل

بعد أن أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أكثر من مرة، أن الاحتياطات بالعملة الأجنبية القابلة للتحكم، اقتربت من الخطوط الحمر، وأنه لن يستطيع الاستمرار في سياسة دعم السلع الاستراتيجية بالشكل الحالي، وبعد رفع الدعم المقنّع الذي بدأ يشهده لبنان منذ أول عام 2021 على معظم السلع، لا سيما الاساسية منها، وبعد سلسلة الازمات المتتالية التي توالت بضرباتها على اللبنانيين، بدءا من انقطاع الادوية فأزمة المحروقات والافران والكهرباء و «الانترنت»، المترافقة مع الارتفاع الجنوني للدولار في السوق الموازية… أخيرا، وبعد طول انتظار، أقرّت البطاقة التمويلية ليستفيد منها زهاء 500 الف مواطن، بعد أن تم الاتفاق على فتح اعتماد بقيمة 556 مليون ​دولار​ ،على أن تموّل من الاحتياطي الالزامي لمصرف لبنان، ويتم تخصيص بين 93 و 137 دولارا نقدا كحدّ أقصى لكل عائلة شهريا.

فمشروع القانون هذا، بقي حتى آخر 3 أيام بلا تمويل، وإذ تقرّر تمويله من جيبة المواطن، بانتظار أن تقدم الحكومة هذا الاسبوع المشروع بصيغة معجلة لمجلس النواب لدراسته والبحث في أسلوب ومصادر وكيفية الدعم المالي، والسلع التي سيشملها رفع الدعم، وإقرار مشروع القانون ووضعه حيز التنفيذ. إذا الدولة وبهذه العملية ستساعد بعض اللبنانيين من أموال البعض الآخر، حيث إنّ الاحتياط الالزامي هو ما تبقى من أموال المودعين لدى المصرف المركزي، بعد أن استنزفت خطط الدعم الفاشلة، التي تجاوزت كلفتها الـ 5 مليارات دولار سنوياً، الاحتياطات بالعملات الاجنبية لدى «المركزي»بعد أن شارفت على الانتهاء في آخر شهر أيار 2021.

المشروع جاء متأخرا عامين على الأقلّ، بعد أن وقع أكثر من 55% من سكان لبنان في دائرة الفقر، بينما يعيش أكثر من 25% منهم تحت خط الفقر المدقع! وكان أجدى بالدولة اللبنانية اقراره مع بدء الأزمة بدل تبذير المال على سياسات دعم لم يستفد منها إلا التجار الذين خزّنوا السلع المدعومة، والمهرّبون الذين نقلوها عبر المعابر غير الشرعية الى الدول الشقيقة.

أمّا اليوم وعلى قاعدة «أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدأ»، قرر المعنييون اقرار البطاقة التمويلية لتدارك الكارثة الاجتماعية المقبلة، في حال تم رفع الدعم من دون إيجاد حل بديل، إلا أنّ مساوىء هذا المشروع أكثر بكثير من محاسنه.

فبحسب التقديرات سيؤدي رفع الدعم الى ارتفاع معدلات الفقر الى ما فوق 80 %من السكان، وسيصبح 50 %منهم تحت خط الفقر المدقع. وبمعادلة حسابية بسيطة، واذا ما اعتبرنا أنّ متوسط سكان لبنان هو نحو 6,831,971 نسمة بناءً على بيانات الأمم المتّحدة الصادرة في تاريخ 12-4-​2020، سيكون عدد الاسر التي تحتاج الى دعم البطاقة التمويلية نحو 5 ملايين و465 ألف عائلة، وبالتالي، مشروع البطاقة التمويلية (المخصص لـ 500 ألف عائلة فقط) سيصبح «بلا عازة»!

من ناحية أخرى، هناك تخوفات عديدة من أن تتحول هذه البطاقة الى بطاقة انتخابية عبر توزيعها بشكل استنسابي على المواطنين، وأن تصبغ بالزبائنية والفساد، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية.

هذا ولا يبشر المسار الذي سلكه اعداد مشروع البطاقة حتى الآن بالخير، فبحسب خطة الحكومة، هناك حوالى الـ 750 ألف عائلة محتاجة، وإذا ما حسبنا المعدل الشهري لكل عائلة بـ93 دولارا، يصبح معدل الكلفة الاجمالية 840 مليون دولار في السنة، الا انه وفي مقابل هذا الرقم، سيتم استثناء نحو 180 الف عائلة من الذين سيستفيدون من قرض البنك الدولي البالغ 246 مليون دولار (في حال أقرّ)، هذا وتم شطب نحو 70 ألف عائلة تستفيد من برنامج العائلات الاكثر فقرا الممول بهبة من الاتحاد الاوروبي بقيمة 65 مليون دولار (الذي لم «يشم» المواطن اللبناني «ريحتو» حتى الآن)، هذا، ومن ضمن الـ 500 الف عائلة، هناك عائلات سيتم استثناؤها استنادا الى شروط ستضعها لجنة وزراية تشمل وزارة المال والاقتصاد والشؤون الاجتماعية (غير معروفة حتى الآن)، بعد ان يتم انشاء منصة لتسجيل الاسماء.

ومن العائلات المستثناة، نذكر تلك التي ستستفيد من تعميم مصرف لبنان، الذي من المفترض أن يرد للمودعين جزءا من أموالهم في تموز والعائلات التي تتلقى مساعدات خارجية بـ «الفريش» دولار والعائلات من غير المقيمن. هذا ويحتاج المشروع الى 3 أشهر على الأقل لوضعه موضع التنفيذ، ومن الآن حتى يحين الأوان يخلق الله ما لا تعلمون من أزمات، في بلد اعتاد أبنائه صدمات جديدة مع كل اشراقة شمس!

هذه الارقام لا تطمئن، وخصوصا أن اللبنانيين يعيشون أزمة ثقة مع المشرفين على نظامهم المالي والنقدي والمصرفي من جهة، ما يدفع للشك حول الطريقة التي ستبدد فيها هذه الاموال، واذا ما كانت فعلا ستصل الى العائلات التي بأمس الحاجة اليها من جهة أخرى. فتجربة الـ 400 ألف ليرة لأصحاب سيارات الاجرة الذين لا يزالون بانتظارها، والمساعدات الدولية التي اعطيت للجمعيات لتوزيعها على متضرري انفجار المرفأ وسرقت، وفضيحة وزارة الشؤون لجداول العائلات الفقيرة وإدراج أسماء متوفّين، وأخرى مغلوطة على لائحة المستفيدين وغياب المعايير الشفافة، كلها كفيلة بتخويف المواطن وزرع الشك والريب في نفسه.

أيضا وأيضا، للفقر تعريفات عديدة، لا تنطبق معظمها على الواقع اللبناني، ولا يمكن اعتمادها كقاعدة، وأبرزها تعريف البنك الدولي الذي يعتبر أنّ كل فرد يعيش دون الـ 1.90 دولار في اليوم هو فقير، أي براتب شهري قدره 57 دولارا، واذا ما حسبناه وفق سعر الصرف الحالي للدولار في السوق السوداء وهو 17 الف ليرة، يصبح الفقير في لبنان كل من يتلقى راتبا دون الـ 969 ألف ليرة في الشهر، بينما الواقع عكس ذلك تماما. امّا الـ 93 دولارا في حال اقرارها ستوازي المليون والـ 500 ألف ليرة، وهو رقم يلبي أبسط حاجات الفرد لمدة أسبوعين كحدّ أقصى، حيث لا يستطيع الموظف اللبناني اكمال شهره ولو براتب 3 ملايين ليرة، هذا في حال حصر مصروفه في تلبية الحاجات الاساسية من طعام ودواء وبنزين، دون ذكر الكهرباء والمياه واشتراك المولدات و «الانترنت» وتشريج خطوط الاتصالات…

في المحصلة، تبقى البطاقة التمويلية استمرارا لسياسات الترقيع والمحاولات الفاشلة لاستدارك الازمة على حساب جيب المواطن، وهي ليست الا حقنة مورفين لتخدير المواطنين واسكاتهم، أو تأجيل كارثة الانهيار الشامل لسنة كحدّ أقصى، فما العمل بعد انتهاء هذه المدة؟ وخصوصا أن اموال الاحتياط الالزامي ستكون قد تبخّرت حتى آخر فلس مع انتهاء المدة الزمنية!

نعيد ونكرر، الحلّ سياسي، «شكلوا حكومة، وباشروا الاصلاحات، وتفاوضوا مع صندوق النقد».