طوابير المصارف الليبية: أزمة السيولة تتفاقم وسط غياب الحلول

توقعت اللجنة الفنية في مصرف ليبيا المركزي حل مشكلة السيولة بشكل نهائي خلال شهرين بعد تخفيض سعر الصرف، مطلع العام الحالي. إلا أن الطوابير التي تمتد أمام المصارف تؤكد العكس. إذ إن أزمة السيولة مستمرة في المناطق النائية وجنوب ليبيا بينما تتوفر سيولة زهيدة في نطاق طرابلس وبعض مدن الساحل الغربي.

ويتكرر مشهد الناس المصطفين يوميًا أمام المصارف بانتظار الحصول على بضع مئات من الدينارات، هي جزء مما يملكونه فعلًا في حساباتهم البنكية. ومن أمام مصرف الجمهورية، غرب طرابلس، يقول المواطن أبولقاسم الورشفاني، لـ”العربي الجديد”، إن المصرف حدد سقف السحب عند ألف دينار، وهو مبلغ زهيد مقارنة مع ارتفاع الأسعار.

ويرى محللون اقتصاديون أن جميع دنانير مصرف ليبيا المركزي تتحول إلى طلب على الدولار في ظل تراجع الاحتياطيات من النقد الأجنبي.

ويشرح الخبير الاقتصادي محمد أحمد، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن إدارة المصرف المركزي اعتمدت خفض سعر الدينار الرسمي حلاً لمشكلة السيولة الحالية.

ولفت إلى أن الاعتقاد كان سائدا بأن إغراء من يحتفظون بالدينار الليبي خارج الدورة النقدية لشراء الدولار من السوق السوداء سيعيد مخزونهم من العملة الليبية إلى المصارف، وبذا تنتهي مشكلة السيولة، “ولكنها وجهة نظر منقوصة”.

ويشرح أحمد أنه “في ظل عدم وجود أي آلية للحفاظ على الإيداعات النقدية داخل المصارف، فإن الأموال ستتسرب بالسرعة ذاتها إلى خارج الدورة النقدية مسببة أزمة سيولة جديدة قد تكون أقوى من الحالية”. ويلفت إلى أن الاحتياطي الإجباري للمصارف بلغ أقصى معدل (20 في المائة)، وسعر الفائدة معطل كسياسة نقدية من دون توفير أي بديل فعال له.

ويشير إلى أن الاحتفاظ بالنقود خارج القطاع المصرفي ببساطة شديدة فعل رشيد في ظل سعر الفائدة السلبي، وخاصة مع ارتفاع التضخم عن سعر الفائدة. ويشرح أنه في حال اعتبار سعر الفائدة افتراضيا صفر، فإن من يحتفظ بالنقود خارج المصرف يربح نظريا قيمة التضخم التي وصلت إلى أكثر من 30 في المائة من ناحية تراكمية.

أداة سعر الصرف

ويلفت مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية أحمد أبولسين إلى استخدام سعر الصرف كأداة للمحافظة على استقرار المستوى العام للأسعار وخفض التضخم باعتباره آلية لتحقيق الاستقرار في قيمة العملة، فضلا عن كونه وسيلة تؤثر على الكتلة النقدية وتتيح السيطرة على نسبة السيولة. ويشير إلى أن الطلب على النقود محليا أو خارجيا مشتق من الطلب على السلع والخدمات.

ويوضح، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، أنه ليس بالضرورة أن تؤدي الزيادة في صادرات النفط إلى تحسن القوة الشرائية للدينار، لأن سعر الصرف يرتبط بعوامل أخرى غير الصادرات، منها حجم الكتلة النقدية في الاقتصاد، وتعدد مصادر عرض العملة الاجنبية، والاستقرار المالي والاقتصادي وغيرها.

وفي يناير/ كانون الثاني الماضي، حدد البنك المركزي الليبي سعر صرف العملة الموحد لكافة الأغراض في مختلف أنحاء البلاد عند 4.48 دنانير للدولار الواحد، بدلًا من السعر الرسمي السابق البالغ 1.4 دينار، وتراجعت الاحتياطيات من النقد الأجنبي خلال مطلع عام 2021 إلى 45 مليار دولار من 134 مليار دولار في نهاية عام 2010.

حدد البنك المركزي الليبي سعر صرف العملة الموحد لكافة الأغراض في مختلف أنحاء البلاد عند 4.48 دنانير للدولار الواحد، بدلًا من السعر الرسمي السابق البالغ 1.4 دينار

ويلفت المصرفي عمر الترهوني، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن جميع الدنانير أصبحت موجهة في سياق زيادة الطلب على الدولار. ويؤكد على أنه وسط انخفاض قيمة الدينار الليبي وفق سعر الصرف الجديد، ومع ارتفاع حجم الموازنة العامة المقترحة من الحكومة، فإن الوضع الاقتصادي أصبح بلا أفق للحل، وزيادة معروض النقود ستؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع الأسعار.

ويدعو الترهوني إلى ضرورة تقليل الفارق بين سعري الصرف الرسمي والموازي، وذلك عبر سحب فائض السيولة التي تزيد المضاربة في سوق الصرف، خاصة أن المركزي لم يقم بسحب أي إصدارت قديمة من السوق.

ويقول الخبير الاقتصادي عطية الفيتوري، في تصريحات لـ”العربي الجديد”، إن احتياطيات مصرف ليبيا المركزي تبلغ نحو 45.5 مليار دولار، ويشير إلى أن الطلب على الدولار والعملة الأجنبية بشكل عام يأتي من مصدرين أساسيين، هما الواردات من السلع، والتحويلات المالية للخارج التي يقوم بها المقيمون وغير المقيمين والحكومة.

إصلاح الاقتصاد

وساهم مد المصارف الليبية بالسيولة في الفترة الأخيرة في زيادة انخفاض سعر صرف الدينار الليبي ليصل الدولار الواحد إلى 5.15 دنانير في السوق الموازي. ويلفت الباحث الاقتصادي بشير مصلح إلى أن المطلوب تنظيم آلية الانتقال من الطلب على العملة الأجنبية إلى الطلب على العملة المحلية، تطويرا لسياسة المصرف المركزي الهادفة إلى تعظيم الإيرادات من أجل جذب السيولة النقدية وتشجيع الزبائن على ادخار أموالهم في البنوك بدلا من اكتنازها في المنازل.

ويشرح أن سحب الجزء الأكبر من السيولة النقدية (المدخرات)، يؤدي إلى انخفاض عرض العملة المحلية، وهو ما يساهم في ارتفاع القوة الشرائية للدينار، ويمهد لنجاح روشتة الإصلاحات الاقتصادية عبر التخفيض التدريجي لسعر الصرف وصولا إلى السعر التوازني.

ويعتبر المصرفي علي الورفلي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “ليبيا أمام خيارين لا ثالت لهما، إما شح في السيولة أو زيادة نسبة التضخم الموجود أصلاً، وبالتالي فإن ضح المزيد من النقود له تأثير كبير على الاقتصاد”. ويضيف أن السيولة الحالية هي إضافة إلى العرض النقدي القائم، لأنها لا تدفع من الودائع، بل من إصدار نقدي جديد، “وهذه السيولة سوف تؤدي إلى زيادة الطلب علی السلع وزيادة استيراد المنتجات والأغذية، ما يدفع لزيادة الطلب علی الدولار في أسواق العملة”.

ويشير إلى أن مصرف ليبيا مسؤول عن رسم السياسة النقدية، وعن إدارة أموال المودعين في المصارف الليبية، ولكن لا يجب تحميله كل تبعات أزمة الدينار.

وفي مطلع شهر فبراير/ شباط الماضي، طرح مصرف ليبيا المركزي في طرابلس أوراقا نقدية جديدة للتداول من فئة خمسة دنانير، فيما يطالب خبراء الاقتصاد بضرورة إلغاء فئات نقدية قديمة ويحذرون من طباعة عملة جديدة وضخها في الاقتصاد.

وتقدر العملة المتداولة خارج القطاع المصرفي بـ55 مليار دينار، ما يعادل 10 أضعاف معدلها الطبيعي. ومنذ عشر سنوات، يعاني الجهاز المصرفي الليبي من أزمة سيولة نقدية، وجاءت هذه الأزمة نتيجة لجوء المواطن لاكتناز الأموال بسبب فقدان الثقة في الجهاز المصرفي نتيجة التخوف من عدم استقرار الظروف الأمنية في البلاد.