القطاع الاستشفائي يعيش أزمة وجودية…صحة اللبنانيين في قبضة الاحتكار والإفلاس

مستشفيات محصنة، صيدليات مغلقة، مختبرات معطلة، حليب مقطوع، وعمليات جراحية مؤجلة؛ صور متعددة من حياة اللبناني تختصر حالة الإفلاس التي بلغتها الدولة والجهات الضامنة في آن معاً. ففي ظل غياب الدولار الأميركي، يلفظ النظام الاستشفائي أنفاسه الأخيرة في لبنان، ومعه مرحلة الراحة. ويؤكد مواطنون أن المستشفيات والصيدليات أبلغتهم بأن “الدفع بالدولار أو وفق سعر الصرف للسوق الموازية هو الشرط للحصول على الرعاية الطبية والدواء”.

مستشفى الجامعة الأميركية “يتحصن”

لاحظ زوار مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت أن هناك ورشة لبناء جدار حديدي عند مدخل الطوارئ. وكان لهذا المشهد أن يمر مرور الكرام لولا حالة اللااستقرار التي تعيشها البلاد. وتعرضت خطوة تحصين إحدى أعرق المؤسسات الطبية في لبنان والشرق الأوسط لكثير من التأويل، واعتبرها البعض مقدمة لوقف استقبال المرضى أو من باب الاحتياطات الأمنية في ظل تعرض العديد من المستشفيات الخاصة للتحطيم، على غرار ما جرى مع مستشفى “المظلوم” في طرابلس شمال لبنان.

صباح الجمعة 11 يونيو (حزيران)، استمرت عمليات التلحيم عند مدخل الطوارئ للمستشفى، فيما استمرت سيارات الصليب الأحمر اللبناني بنقل المرضى من وإلى المستشفى. ونفت إدارة المستشفى لـ”اندبندنت عربية” أن يكون الهدف من الساتر الحديدي وقف استقبال المرضى، وجزمت أنها مستمرة في استقبال المرضى بصورة اعتيادية.

وأكدت إدارة مستشفى الجامعة الأميركية أن فكرة مشروع بناء جدار حديدي، هي فكرة قديمة، إلا أنه جرى تأجيلها في السابق بسبب عدم توافر الحديد، مشيرة إلى أنه مع توافر المواد الأولية بدأت بالتنفيذ. وعما إذا كان السبب هو المخاوف من أحداث عنف أو لأسباب أمنية، قالت الإدارة، إن السبب هو العمل على تنظيم السير وعملية الدخول والخروج إلى المستشفى. وتطمئن إدارة المستشفى أنها ستستمر بالعمل كما في السابق، وبنفس الجودة.

الوزير يداهم

على ضفة وزارة الصحة ومستودعات الأدوية، استمرت عملية الشد والجذب. حيث واصل وزير الصحة في الحكومة المستقيلة حمد حسن عمليات المداهمة لمخازن الأدوية في مناطق متعددة من جبل لبنان، من الحازمية إلى البوشرية. وأثبتت هذه الجولات التي تابعها الإعلام وجود كميات من الأدوية في مستودعات الشركات المستوردة للدواء.

تدخل خطوات الوزير في إطار الضغوط القصوى على الشركات المستوردة، كما تعتبر من قبيل رفع المسؤولية عن الوزارة في ظل “تقنين الدعم” من قبل المصرف المركزي. يؤكد مستشار وزير الصحة لشؤون الدواء، رياض فضل الله، أنه كان ضمن الفريق المفاوض مع مصرف لبنان و”ليس هناك أي دليل على أننا بلغنا مرحلة الإفلاس من عدمه”، إلا أنه في المقابل يقدم رؤية تشاؤمية للوضع العام، خصوصاً الصحي، في ظل عدم وجود أموال كافية لدى مصرف لبنان.

ويعلّق فضل الله على مداهمة وزارة الصحة لمستودعات الأدوية قائلاً “نحن ندرك قبل وبعد المداهمة بأن هناك أدوية لديهم”. وعما إذا كان هناك صلاحية وسلطة للحكومة في توزيعها على السوق، يجيب “مصرف لبنان لم يؤمن لمستوردي الأدوية الدولارات التي أنفقوها لاستيراد الدواء من الخارج” مؤكداً أن “مختلف جوانب الحياة في لبنان متصلة بوجود الدولار من الحليب إلى الدواء والمستلزمات الطبية، كلها موجودة لدى المستوردين لكنهم غير مستعدين للخسارة بسبب فارق سعر صرف الدولار”.

ويتهم فضل الله بعض التجار والصيادلة باستغلال الفرصة وبيع الحليب والمستلزمات الطبية بثلاثة وعشرة أضعاف سعرها. ويشير إلى خطط بديلة لمواجهة رفع الدعم، من خلال استيراد أدوية غير مدعومة ورخيصة من بلاد المنشأ، وتتوافق مع الشروط المخبرية.

الدواء المزور

تبرز الخشية من تسلل الدواء المهرب والمزور إلى السوق المحلية، ويلفت فضل الله إلى أن الرفع المفاجئ للدعم، قد يفتح الباب أمام الدواء المهرب الذي لا يستوفي الشروط ومن دون رقابة صحية ومخبرية. لذلك يقترح السماح للمستوردين باستيراد دواء من DMS في فرنسا، أو v-LEX في ألمانيا، وكذلك من مصنعين معتمدين عالمياً في الصين والهند.

ويعيد فضل الله الحديث عن البطاقة الصحية التي باتت شبه منجزة، حيث يمتنع على أي مريض أن يستحصل على دواء غير المخزن عبر بطاقته، فهي تمنع التخزين وتمنع التهريب إلى الخارج. ويلفت إلى أن هناك “عملية تسوق دوائية بسبب رخص الدواء في لبنان لصالح مواطني سوريا والعراق وليبيا ودول أخرى”.

الأطباء في خطر

يعيش القطاع الطبي أزمة وجودية بسبب اختفاء المستلزمات الطبية والدواء وكذلك هجرة الأطباء المتزايدة. ويؤكد نقيب الأطباء في شمال لبنان سليم أبي صالح “نقابة الأطباء استشعرت باكراً بالأزمة النقدية لأنه يتم استيراد 85 في المئة من احتياجات الأدوية، فيما 15 في المئة من الدواء يصنع محلياً، أما المستلزمات الطبية فتستورد من الخارج بنسبة 100 في المئة”.

يوضح أبي صالح أن النقابة طالبت منذ عام 2019 بتغيير جوهر النظام الصحي، وأن تتولى الدولة الاستيراد المباشر، وعدم تركها بيد التجار، إلا أن هذا الاقتراح اصطدم بمعارضة المستوردين. ويعتقد أن مستلزمات مرضى القلب وغسيل الكلى أدوية مرضى السكري والسرطان، وآلات السمع، هي من الأساسيات التي يجب أن تلتزم الدولة بتأمينها. ويذكر أبي صالح بتجربة وزير الصحة إميل البيطار في حكومة الشباب برئاسة صائب سلام عام 1970 عندما وضع خطة لاستيراد الدولة للدواء، ولكن سرعان ما استقال مجبراً بضغط من المستفيدين.

يتحدث نقيب الأطباء في شمال لبنان عن تضحية الأطباء في سبيل مهنتهم، إلا أنهم في المقابل يعانون بسبب عدم تقاضي مستحقاتهم من قبل الجهات الضامنة. ويطالب بفرض “السلم المتحرك للتعرفة الطبية”، وأمام رفض المسؤولين ذلك اضطرت نقابة الأطباء إلى رفع التعرفة من 75 ألف ليرة لبنانية، ما يوازي 50 دولاراً على سعر الصرف الرسمي، إلى 200 ألف ليرة في حين وصل سعر صرف الدولار إلى 15 ألف ليرة لبنانية في السوق الموازية.

اضطر عدد كبير من الأطباء إلى الهجرة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، ويشير النقيب صالح إلى أن حوالى 1600 طبيب هاجروا من لبنان إلى أوروبا، ويتوقع هجرة 30 في المئة من الأطباء إلى الخارج وتحديداً إلى أوروبا ودول مجلس التعاون الخليجي.

يؤكد أبي صالح أن النقابة تسعى لفتح نقاش مجتمعي حول مساهمة الجهات الضامنة في تأمين الخدمات الطبية للمواطنين المستفيدين، مذكراً بفرض المستشفيات فروقات عالية على مرضى فيروس كورونا بما يفوق قدرات العائلات المحدودة الدخل، مضيفاً “سيتحول الأمر إلى كارثة في ظل رفع الدعم، ومطالبة المستشفيات بدفع الفواتير بالدولار الأميركي”. ويشير إلى الفئات الأكثر ضعفاً من الفقراء الذين يشكلون 60 في المئة من المرضى، كمرضى غسيل الكلى والسرطان بسبب ارتفاع كلفة العلاج الكيماوي، ومن يحتاج أيضاً لعمليات في القلب والتوليد، وكذلك الأطفال وكبار السن.

ويتحدث النقيب عن مرضى لا يمكنهم دفع “فرق عملية توليد في المستشفى الحكومي”، ويتخوف من ارتفاع مستوى الوفيات بسبب هجرة الكوادر الطبية وعدم توافر الأدوية والمستلزمات الطبية، وكذلك انخفاض مستوى الرعاية الصحية والخدمات، ناهيك عن الضائقة المادية.

الضمان وإفلاس الدولة

وانعكس إفلاس الدولة اللبنانية على الجهات الضامنة، وتحديداً تلك التي تمولها بصورة جزئية أو كاملة. يلفت المتخصص في مجال العمل والضمان الاجتماعي، جوزيف خليفة، إلى أن تعسر هذه المؤسسة ينعكس على حوالى مليوني مواطن. ويحمل خليفة “نقص الرقابة مسؤولية سقوط الصناديق ومؤسسات الدولة”.

يتحدث خليفة عن مشكلة بنيوية في الضمان الاجتماعي، فهي مؤسسة معطلة بسبب الفراغ في مجلس الإدارة، لافتاً إلى أن “الدولة ألحقت العشرات من حاملي الإجازات بصفة مياومين من أجل القيام بالمهام والأعمال المالية والإدارية نيابة عن الموظفين الأصليين”، إلا أنه من أجل توصيفهم منحوا “صفة العتالة” لأنهم لم يخضعوا لمباريات مجلس الخدمة المدنية.

ويشير إلى أن الدولة اللبنانية كانت إلى حين نشوء الأزمة، تقدم خدمات جيدة مقارنة بالدولة المتقدمة، وكان يحصل الموظف على تغطية شبه شاملة بنسبة تتراوح بين 70 و80 في المئة، كما أن للمريض مزايا متميزة من حرية اختيار الطبيب، وكذلك المستشفى والمختبر.

ويلفت خليفة النظر إلى أن تعسر الضمان الاجتماعي يعود في الأساس إلى الانهيار الذي يعصف بالدولة التي يجب عليها تغطية 25 في المئة من التكاليف من السنة السابقة، كما أنه “عندما يمتنع مصرف لبنان عن إعطاء الضمان أمواله المودعة لديه، تكون تركيبة الدولة المالية هي من أفلس، والانهيار في الأصل وليس الفرع”.

وعن توحيد التغطية الصحية الشاملة والموحدة، يذكر خليفة بالمادة 12 من قانون الضمان الاجتماعي الذي يخضع جميع اللبنانيين والمقيمين لتقديمات الصندوق، ومنح اللبناني خدمات واحدة، أساسية ومتساوية، ويضيف “من يرد مزايا خاصة فعليه الاتجاه إلى شركات التأمين الخاصة”.