المأزق بين ليرة عجز ودولار هلع

كتب ذو الفقار قبيسي في “اللواء “:

المأزق السياسي، والفراغ الحكومي، والصراع الاقليمي والدولي، والعدوان الوبائي، والانهيار الاقتصادي والمالي والنقدي، والعوز المعيشي، والتراجع التربوي والعلمي، إذا وضعت كلها على اللوحة الاحصائية لأمكن من خلالها رؤية أحوال الليرة اللبنانية بنقاوة ووضوح في الحاضر وعلى المدى القريب. وما حصل في الجولة الأخيرة بين بيت الوسط وقصر بعبدا أكثر ما ينطبق عليه أمثولات وأمثال من نوع الزيادة في ملح الجرح وفي بلّة الطين حتى لم يبقَ للبنانيين سوى الاعتماد على الله العليّ القدير، كما في العبارة المأثورة التي كان يرددها الرئيس الراحل بشارة الخوري كلما اشتدّت الأزمات: «نشكره تعالى على ما انقضى وفات، ونستعينه على ما هو آت».

والاحصاءات الأخيرة عن عام واحد تدل على الفارق الكبير والخطير بين ما انقضى وما أتى وما هو آتٍ، بما لا ينفع معه «المنصة الإلكترونية» لعلاج «الغصّة الاقتصادية» حتى قبل انفجار الأزمة الحكومية، فكيف بعدها مما هو أشدّ وأدهى، وأكثر مرارة وخطورة، ويزيد في الحاجة القصوى الى دولار يتجبّر في بلد أكثر من ثلاثة أرباع اقتصاده مدولر.

فبرغم شدّ الحزام وتقليص الاستهلاك وخفض الاستيراد الى حوالي النصف في عام واحد (من ١٦ مليار دولار الى ما يقترب من ٨ مليار دولار) ارتفع عجز ميزان المدفوعات من 5,8 مليار دولار عام 2019 الى 10,5 مليار دولار عام 2020 سواء بسبب تقلص التحويلات الى الداخل والصادرات الى الخارج بأكثر من ٢ مليار دولار، أم بسبب تراجع ودائع غير المقيمين بأكثر من ٥ مليارات دولار، وانخفاض الاستثمارات المباشرة بمليار دولار، أم استمرار نزيف التحويلات السنوية للعمالة السورية والأجنبية بتقديرات أولية 2,7 مليار دولار (1,35 مليار دولار حتى حزيران ٢٠٢٠) في وقت ديون لبنان بالعملة الأجنبية التي تزيد عن ٣٣ مليار دولار تحت رحمة المقاضاة، ومعها حاجة لبنان الى المزيد والمزيد من الدولارات سواء لعجز الكهرباء بـ1,5 مليار دولار أم لدعم الغذاء والدواء والتعلم والتدرب والتأهيل في الخارج بما يزيد عن ٧ مليارات دولار ونفقات التمثيل الدبلوماسي للبنان في عشرات الدول مع سياحات اللبنانيين في العالم بـ٢ مليار دولار.

وأمام هذه المتطلبات المتلاحقة بالعملة الأجنبية إضافة الى الفجوات النقدية المتعاظمة في قطاع المصارف ومجمل القطاع الخاص بمديونيات هائلة، والقطاع العام بعجوزات في الموازنة ارتفعت من ٤ آلاف مليار ليرة في موازنة ٢٠٢٠ الى 4,7 آلاف مليار ليرة تقديرات موازنة ٢٠٢١ يتوقع أن تزداد مع انكماش الاقتصاد من ٥٥ مليار دولار الى أقل من ٢٠ مليار دولار وتراجع التحصيل والتهرّب واستمرار التهريب، وازدياد الحاجة الى مساعدات اجتماعية لحوالي ٦٠٠ ألف أسرة لبنانية فقيرة بما لا يقل عن ١٠ آلاف مليار ليرة تتقلص قوتها الشرائية باستمرار بازدياد النقد المتداول من 10,7 آلاف مليار ليرة في كانون الثاني 2020 الى ٣5,9 ألف مليار ليرة في 20 آذار 2021… يطلُّ الآن شبح المأزق السياسي على أوضاع معيشية وأمنية متدهورة مهددة بالانفجار وليرة لبنانية تنوء وتئنّ تحت رحمة الدولار!