سياسات عدة.. سبب هذه الأزمة

تضع الحكومات أهدافها الاقتصادية والاجتماعية الكليّة بحسب مؤشرات الاقتصاد الكليّ لديها؛ ومن هذا المنطلق تقترح الخطط الملائمة لتحقيق هذه الأهداف، معتمدة في ذلك على مجموعة من السياسات؛ وفي مقدمتها السياسة النقدية التي يديرها المصرف المركزي، والسياسة المالية التي تديرها الحكومة عبر وزارة المال.

ويُقصد بالسياسة النقدية مجموعة من الإجراءات، التي تتخذ من معدل الفائدة وعمليات السوق المفتوحة (بيع وشراء الأسهم والسندات) والاحتياطي النقدي الإلزامي أدوات لها في التأثير على السيولة النقدية، من أجل تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية الكليّة، وأهمها تعزيز النمو الاقتصادي وتخفيض معدلات البطالة، ومكافحة التضخم المالي وضبط الاستهلاك وإعادة التوازن إلى ميزان المدفوعات.

سعر الصرف: ليس هدفاً بل مؤشرأً وإجراءً
الأصل في سعر الصرف في أنظمة الصرف العائمة أنّه عبارة عن مؤشر يعكس تأثيرات عدة عوامل منها حجم التدفقات المالية في ميزان المدفوعات، وضع الميزان التجاري حجم الاستثمارات الأجنبية وغيرها؛ ووفق ذلك يعكس سعر الصرف حقيقة الأوضاع الاقتصادية الفعلية وفعالية بعض القطاعات الاقتصادية كالسياحة مثلاً؛ وعندها تستطيع السلطات المعنية اكتشاف مكامن الخلل في حال حدوثه ما يمكّنها من اتخاذ الإجراءات الملائمة والفعّالة في سبيل إعادة التوازن بين العرض والطلب النقدي وتحقيق الاستقرار النقدي. فمثلاً إذا حدث عجز في الميزان التجاري بسبب زيادة الاستيراد عن التصدير، يؤدي ذلك إلى ازدياد الحاجة إلى الدولارات، فينعكس اختلالاً في سعر الصرف العملة الوطنية، ويكون بذلك سعر الصرف هو المؤشر والمقياس لهذا العجز. هنا تتدخل السلطة النقدية المتمثلة بالمصرف المركزي بما تملك من أدوات نقدية آنفة الذكر لإعادة التوازن النقدي؛ ولكن يجب أن يحدث هذا على المدى القصير، إذ يجب أن يلجأ عندها المسؤولون إلى معالجة الخلل الأساسي المتمثّل بالعجز في الميزان التجاري عبر السياسات الاقتصادية والمالية لمعالجة الخلل من جذوره؛ بل إنّ بعض الدول وخاصة ذات القاعدة الإنتاجية الضخمة والميزات التنافسية تقوم بتخفيض سعر صرف عملتها الوطنية بشكل متعمد من أجل زيادة صادراتها حيث تصبح أسعار منتجاتها أرخص، وبذلك يكون سعر الصرف هنا وسيلة لتحقيق الهدف وهو زيادة التصدير.

من هنا بدأت الأزمة
إنّ الخطأ الجسيم والذي استمر لثلاثة عقود في لبنان هو تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية كهدف وهدف وحيد، وتسخير جميع القدرات المالية في سبيل تحقيق هذا الهدف. وجاءت الهندسات المالية والفوائد المرتفعة في خدمة هذا الهدف، وتم استنزاف احتياطي مصرف لبنان عند حدوث الخلل في هذا الهدف. فكان سعر الصرف خلال هذه الفترة هو سعراً وهمياً لا يعكس حقيقة الأوضاع الاقتصادية الفعلية. والأسوأ من ذلك أنه تم اختزال جميع السياسات المالية والاقتصادية واقتصار الخطط والإجراءات المعتمدة على السياسة النقدية.

مجلس النقد قائم على تثبيت سعر الصرف
لا شك أن جزءاً من الازمة اللبنانية هي أزمة نقدية تتطلب تصحيح الخلل في النظام النقدي اللبناني وإصلاح الخلل في المؤسّسات والقواعد التنظيمية. قد يكون مجلس النقد هو أحد أوجه هذه الإصلاحات بحيث لا يمكن حصر جميع الحلول والإصلاحات به وحده؛ ولكن الإشكالية أنّ مجلس النقد يقوم على تثبيت سعر الصرف أيضاً، وبالتالي الاستمرار في نفس النهج الاقتصادي ونظام سعر الصرف. ومن ثم، وإن ساهم مجلس النقد في حل الأزمة النقدة الحالية، ولكنه سيكون بصورة مؤقتة، إذ ستتولّد أزمة جديدة عند أي اختلال في التدفقات من العملات الصعبة أو عقوبات أميركية جديدة طالما لم يتغير النظام والنهج.

رؤية صندوق النقد الدولي
في مقاربة صندوق النقد الدولي لجدوى مجلس النقد، نبّه الصندوق أنّ نجاح مجلس النقد في بلد ما لا يستلزم بالضرورة نجاحه في بلدان أخرى؛ فالعملية تحتاج إلى تغيير مؤسساتي وقانوني وهيكلة القطاع المصرفي أولاً. وإذا عدنا إلى الإصلاحات والشروط المقترحة من قبل صندوق النقد الدولي، لا نجد بين ثناياها أي ذكر لمجلس النقد. وطبعاً صندوق النقد كمنظمة عالمية، الخبراء فيه ليسوا من الغباء أو قلة الدراية لإغفال مجلس النقد كمخرج للأزمة اللبنانية، والجميع يتفق على أن صندوق النقد الدولي حالياً هو السبيل الوحيد لمساعدة لبنان على الخروج من أزمته.

أين مكامن الخلل؟
إنّ الخلل الأساسي في الأزمة اللبنانية يكمن في جفاف مصادر تمويل خزينة الدولة والقطاع المصرفي بالعملات الأجنبية وخاصة الدولار. وبالمقابل، على الدولة اللبنانية التزامات عديدة تتطلب توافر الدولار لسدادها، وقد ساهم في تعميق هذا الخلل إعلان الحكومة اللبنانية التوقف عن سداد التزاماتها من سندات الخزينة بالدولار في آذار الماضي، وفقدان ثقة الأسواق المالية بالمالية العامة اللبنانية؛ يُضاف إليها العقوبات الأميركية المستجدة. ويصبح استقطاب الدولارات الطازجة وإعادة الثقة إلى القطاع المالي والمصرفي وعودة الانتظام إلى المالية العامة هي التحديات الاقتصادية الرئيسية، والتي على أساسها تُعالَج حميع المظاهر الأخرى للأزمة، ومنها تدهور سعر الصرف والتضخم المالي؛ بل إنّ إعادة ودائع الدولارات إلى المودعين من أولى الأولويات لإعادة الثقة إلى القطاع المصرفي، وهذا ما لا يستطيع القيام به مجلس النقد، بل على العكس من ذلك تماماً حيث يسوّق أصحاب نظرية مجلس النقد إلى تشكيل الاحتياطي من الدولارات والذي يتطلبه إنشاء مجلس النقد مما تبقى من احتياطي من الدولارات لدى مصرف لبنان والمقدّر بحوالي 17 مليار دولار، وهو قيمة الاحتياطي الإلزامي وهي بالأساس أموال المودعين أيضاً؛ وبذلك يستكمل مجلس النقد فقدان المواطنين لما تبقى من ودائعهم بالدولار.

إنّ الأزمة الاقتصادية والمالية هي نتاج أزمة النظام السياسي اللبناني الذي افتقد الاستقرار السياسي ومقوّمات الدولة، واستمر بفعل التسويات المحلية تحت المظلة الدولية. لذلك إنّ المعايير الأساسية للخروج من هذه الأزمة هي سياسية بالدرجة الأولى. وعندما تشرق شمس التسويات الكبرى تأتي رياح الحلول؛ ولكن علينا تحضير البنى اللازمة للإصلاح الجذري، وإلا فإنّ الأزمات ستدور دائرتها مع الزمن كلما تهيأت ظروفها.