2020 | مصطلحات الأزمة:أدوات للخداع … أبرزها الدولار اللبناني (الولار )

في عام 2020 ضجّ المجتمع اللبناني بمصطلحات جديدة تعكس زيادة في الوعي المالي (financial literacy) الجماعي، رغم أن بعضها ينطوي على خدع يجري استغلالها بهدف طمس الحقائق وتضييع المسؤوليات. سريعاً سادت هذه المصطلحات في إطار من التكيّف مع الأزمة واستسلام لها، فبات يُتداول بالمصطلحات الجديدة بلا وعي فعلي عن المسار الذي ترسمه أو المقصود الفعلي منها. فالدولار اللبناني صار دولاراً وهمياً، وكأنّ المغتربين الذين عملوا في الخارج لم يقعوا فريسة المصارف ومصرف لبنان اللذيْن كانا ولا يزالان يديران أكبر «مخطط احتيال» (بونزي سكيم) في تاريخ لبنان. هؤلاء حوّلوا الدولارات الناتجة من قوّة عملهم وهذه الأموال لديها أصول فعلية جرى الاستيلاء عليها بغير علمهم بطبيعة النموذج ولا بآليات عمله. المصطلحات التي يتم التداول فيها حالياً تعبّر عن واقع مغاير للحقيقة وتلمح إلى أن أموالهم هي وهمية بينما الواقع، أنها الأموال الحقيقية التي دخلت إلى صلب هذا المخطط الاحتيالي. والمصطلحات التي تعبر عن الإنقاذ من الداخل (bail in) أو من الخارج (bail out) هي أصلاً تعني أن إنقاذ المؤسسات المفلسة يكون بتمويل من أموال دافعي الضرائب أو من رساميل هذه المؤسسات والمودعين. بمعنى آخر، المسألة ليست تقنية. فعلى أي سعر صرف سيحصل هؤلاء مقابل أموالهم، وعلى أي عائد وبأي عملة سيحصل هؤلاء إذا وافقوا على إنقاذ المؤسسات المفلسة بأموالهم الحقيقية؟ كيف تحوّلت هذه الأموال إلى دولارات وهمية؟ ثمة الكثير من الأسئلة التي لا يمكن الإجابة عليها في ظل نظام يسمح باستمرار القيود غير الشرعية التي تفرضها المصارف من دون أن ينظّم هذه القيود ويضع ضوابط تحمي الاقتصاد والمجتمع اللبناني من أهواء ورغبات مصرف لبنان والمصارف. لا بل إن هذه الأهواء خلقت ضرائب جديدة في السوق يتم اقتطاعها عبر أدوات مختلفة، مثل الشيك المصرفي الذي يسهم في نقل الثروة من جيوب المودعين إلى جيوب المقترضين، وهذه الأدوات تمثّل فرصة لاقتناص المزيد من الأموال عبر العمولات على «الفريش دولار». بهذا المعنى يصبح الوعي المالي الجماعي سطحياً لأنه يلغي المفاعيل الفعلية للمصطلحات ويعلّبها في عبارات شائعة للاستخدام اليومي.
ما هي أبرز هذه المصطلحات، كيف تُستعمل؟ ما الأهداف منها؟

الدولار اللبناني (الدولار الوهمي)
انتشرت عبارة «الدولار اللبناني» (لولار) أو «الدولار الوهمي». الكل يردّدها باعتبارها أموالاً بالعملة الأجنبية وهميّة، أي غير موجودة أصلاً، رغم أنها مسجّلة دفترياً في حسابات المصارف. تقنياً، هناك تعريف أوضح لهذه العبارة يشير إلى أنها أموال دفترية بالعملات الأجنبية لا تقابلها موجودات فعلية بالعملة الأجنبية (أصول خارجية، أو عملات ورقية…). لكنّ هذا التعريف لا يفسّر كل الحقيقة الكامنة وراء هذا المصطلح الذي جرى الترويج له من قبل مصرفيين ووسطاء في السوق المالية وسماسرة. فهذه الأموال تُقسم إلى قسمين: المبالغ الحقيقية بالعملة الأجنبية التي أتت إلى لبنان والناتجة من قوّة عمل المغتربين أو من استثمارات تحقّقت في الاقتصاد المحلي، والمبالغ الوهمية التي خلقها النظام المصرفي عبر الإقراض والفوائد. التمييز بين الأمرين ضروري جداً للفصل بين المسؤوليات الفعلية التي يجب أن تترتب على القسم الأول، وتلك المترتبة على القسم الثاني. فالدولار المحلّي كان عبارة عن دولار حقيقي حوّلته السلطة النقدية والنظام المصرفي إلى دولار محلّي لتغذية «مخطط الاحتيال»، لكنها في سياق هذه العملية خلقت منه أيضاً دولاراً وهمياً لم يأت عبر التحويل من الخارج.
– الدولار الحقيقي: هي المبالغ التي دخلت إلى النظام المصرفي عبر تحويلات من الخارج. الجزء الأكبر منها يعود إلى لبنانيين مغتربين أرادوا الاحتفاظ بأموالهم في ما اعتبروه ملاذاً آمناً بعدما «باعتهم» المصارف اللبنانية أوهاماً عن صورتها الصلبة التي لا تهزّها أي أزمة. وقد أسهم في تعزيز هذه الصورة التداعيات المحلية الطفيفة الناتجة من الأزمة المالية العالمية في نهاية عام 2008. في حينه، أتت إلى لبنان الأموال الهاربة من الأزمة العالمية بعد انهيار معدلات الفوائد في الخارج مقارنة مع أسعار فائدة محلية مرتفعة صُمّمت أصلاً من أجل استقطاب المزيد من التحويلات وكبح احتمالات انسحاب الأموال التي أتت سابقاً. فالأموال التي أتت سابقاً تم تحويلها إلى دولارات محلية وهذا له ترجمة اقتصادية واضحة المعالم (الدولارات موّلت شراء سلع وخدمات مستوردة استُهلكت في الداخل وتحوّلت إلى موجودات محلية). وعندما يتم تحويل الدولارات الحقيقية إلى دولارات محلية، فهذا يعني أنه مقابل الدولار باتت لدينا موجودات غير قابلة للتحويل إلى الخارج. للتبسيط، إن تشييد العقارات بتمويل من الدولارات الحقيقية حوّلها إلى أصول محلية غير قابلة للتصدير وغير قابلة للبيع في الخارج. بمعنى أنه لم يعد بالإمكان الحصول على الدولارات الحقيقية مقابل بيع هذه العقارات، بل يمكن تداولها محلياً فقط. وإذا أخذنا مثالاً آخر عن استيراد الغذاء والملابس والأحذية من الخارج بدولارات حقيقية، فإن هذه السلع استُهلكت مقابل ليرات لبنانية. لم يعد بالإمكان الحصول على الدولارات منها.
في هذا الإطار، إن تدفق الأموال خلال الأزمة المالية العالمية، لم يكن ناجماً عن قرار بعنوان حماية وعزل لبنان من الأزمات الخارجية، بل على العكس زادت مخاطر الانكشاف على الخارج، لأن أسعار الفائدة المحلية المرتفعة أتاحت وصول الأموال الهاربة من الخارج بكميات كبيرة تفوق قدرة الاقتصاد على الامتصاص، ثم جرى تحويلها إلى دولارات محلية، وبالتالي فإن تسديدها عند انسحابها بات يتطلب تدفق المزيد من الدولارات من الخارج. كل دولار حقيقي يأتي إلى لبنان، ثم يتحوّل إلى دولار محلّي، لا يمكن سداده إلا بدولارات إضافية تأتي من الخارج. هذا هو التفسير الفعلي لما يسمى «بونزي سكيم» أو «مخطّط الاحتيال». الأمر يشبه ما حصل مع الكثيرين في لبنان الذين أودعوا أموالهم مع شخص يعتبرونه «ثقة» مقابل فوائد مرتفعة، لكنهم اكتشفوا في النهاية، أنه كان يدفع لهم من أموال أناس آخرين وثقوا فيه أيضاً، وكلما زاد عدد المودعين لديه، زادت حاجته إلى مودعين جدد. وإذا بدأ المودعون بالانسحاب من العملية وفقدوا ثقتهم به، فإن انهياره يصبح وشيكاً أكثر فأكثر. فكروا بالأمر على مستوى دولة وعملة محلية وعملة أجنبية تصبح النتيجة «عملية احتيال». هذه العملية شارك فيها النظام المصرفي بفعّالية كبيرة.
في عامَي 2018 و2019 تضخّمت عملية الاحتيال إلى درجة أن الحفاظ على الأموال الموجودة بات يتطلب زيادة كبيرة في أسعار الفائدة المحلية. وصلت الفائدة على ودائع الدولار في المصارف اللبنانية إلى 24% وهي معدلات خيالية لا يمكن إلا استشعار الخطر منها والتنبّه إلى الوقوع ضحية عملية احتيال واسعة. من انتبه لهذا الأمر، حوّل أمواله إلى الخارج لأنه «اقتصاد حرّ» يتيح له ذلك، غير أنه من دون أن يعلم حصل على أموال أناس آخرين. وعلى سبيل المثال، إن المصارف كانت توزّع الأرباح على مساهميها إلى الخارج، إلا أن هذه الأموال ليست دولارات حقيقية، بل هي أموال أناس آخرين. غالبية الناس تشير إلى تبخّر الودائع بالدولار على أنها عملية تلقائية في النظام تقع مسؤوليتها على الذين أنفقوا الأموال، إلا أنهم لا يعلمون معنى التبخّر المقصود فيه، وهو أن هذه الأموال لم يعد يقابلها سوى موجودات محلية. هذه الأموال كانت حقيقية، وهي لا تشبه بأي شكل من الأشكال الدولارات الوهمية.
– الدولار الوهمي: هي الدولارات التي راكمتها المصارف دفترياً في حساباتها نتيجة الإقراض المحلّي بالدولار. فالمصرف عندما يقرض الدولارات التي تملّكها من المودع لزبون استعملها في الاستهلاك المحلّي، بدأ يرتّب عليها فائدة بالدولار، أي أنه خلق منها نقداً بالعملة الأجنبية لا يملكه ولا يملك مصرف لبنان السيطرة عليه. وهذا الأمر لا ينطبق على المصارف في علاقتها مع الزبائن، بل ينطبق أيضاً على علاقتها مع مصرف لبنان الذي استحوذ على ودائع الدولار وبات يدفع عليها فوائد بالعملات الأجنبية، بالإضافة إلى عملياته في سوق القطع لحماية تثبيت سعر الصرف. فهو كان يحصل على الدولارات من المصارف، ثم يضخّها في السوق لدعم تثبيت سعر الصرف، أي أن الدولارات التي كان يضعها في حساباته الخارجية (موجودات خارجية) أصبحت تموّل عمليات محلية. كما ينطبق الأمر نفسه على توظيف الدولارات في الدين العام (سندات اليوروبوندز) فمن أين تدفع الحكومة فوائد الديون بالدولار؟ تدفعها بالطريقة نفسها، أي عبر ودائع أناس آخرين، إلا إذا كانت لديها إيرادات بالدولار من الخارج.
إذاً، ما المقصود بالخلط بين الدولارات الفعلية المحوّلة إلى دولارات محلية، وبين الدولارات الوهمية أصلاً؟ ثمة إيحاء في المصطلحات المستعملة (لولار ودولار وهمي وسواهما) بأن هذه الدولارات ليست حقاً لأصحابها، وأنه يجب شطبها من دفاتر المصارف، بينما الواقع، إن التمييز بينها يمهّد لعمل مختلف. ربما يجب شطب كل الدولارات الوهمية التي حصلت عليها المصارف أو المودعون من الفوائد. الهيركات، أو عملية الشطب والاقتطاع من الودائع يكون لها معنى في هذا السياق. بينما أصحاب الدولارات الحقيقية يجب أن يُعالج موضوعهم بشكل مختلف. حالياً، يدفع مصرف لبنان لكل المودعين الدولار على سعر المنصّة (3900 ليرة) سواء كانت دولاراتهم حقيقية، أو جرى تحويلها من ودائع بالليرة إلى دولار محلي على سعر 1500 ليرة وبموافقة مصرف لبنان! هذا التساوي ليس عادلاً، وليس هادفاً، بل هو يعني أن المودعين يوافقون على شطب نصف قيمة أموالهم وكأنهم يعلمون أنهم حققوا مبالغ أكبر من عملية الاحتيال التي كانت رائجة.