غرفة التجارة الكويتية: وطننا في خطر

قال بيان لغرفة تجارة وصناعة الكويت، إنه بعد الانتقال الدستوري الراقي لمسند الإمارة وسدَّة ولاية العهد، ومع بداية الفصل التشريعي السادس عشر لمجلس الأمة، ومباشرة الحكومة الجديدة لمسؤولياتها، تستعيد غرفة تجارة وصناعة الكويت أدبياتها في مثل هذه المحطات التاريخية المهمة، فتشعر بأسف موجع، لأننا لا نزال – منذ ثلاثة عقود وتزيد – مهتمين بذات التحديات، مهمومين بذات التساؤلات، مرهقين بذات الاختلافات والمفارقات. وتشعر – بالتالي – أن من واجبها إصدار هذه الورقة الموجزة والمباشرة والصريحة، لتكون بمنزلة دعوة مبكرة إلى أن يحظى الشأن الاقتصادي بالأولوية المطلقة من اهتمام الحكم والحكومة ومجلس الأمة، حرصاً على المستقبل وعلى مستوى رفاه المواطنين، وتجاوباً مع النطق السامي في جلسة افتتاح دور الانعقاد الأول للفصل التشريعي السادس عشر لمجلس الأمة، حين دعا – على جناح السرعة – إلى وضع “برنامج إصلاحي شامل وصولاً إلى التنمية المستدامة، والعمل على إنجاحه بوعي مسؤول وتعاون فعال”.

وأوضح البيان أن الورقة – من جهة أخرى – تهدف إلى أن تجدّد وتؤكد رغبة القطاع الخاص وقدرته على أن يؤدي دوره التنموي كاملاً في إصلاح المالية العامة، وضمان حرمة المال العام، وتعديل التركيبة السكانية، إذا ما تهيأت له البيئة التي تمكنه من أداء هذا الدور في إطار الثقة والحرية والعدالة.

وأشار إلى أنه من هذا المنطلق، تبنت الورقة مجموعة من السياسات والإجراءات الرئيسية التي توفر الشروط اللازمة للبيئة المطلوبة، وتضمن الالتزام التنموي الوطني للقطاع الخاص، وتستعيد الثقة الشعبية والدولية بمصداقية وعزيمة الكويت الإصلاحية. وهي ثقة أضحت بالغة القيمة والأهمية، بعد الصدمة الاقتصادية المزدوجة التي تلقاها الاقتصاد الكويتي جرّاء تداعيات جائحة كوفيد 19، وتزامنها مع الانخفاض الكبير في إيرادات النفط، مما ساهم الى حد بعيد في تخفيض تصنيف الكويت الائتماني من (AA) الى (A1)، وفي تغيير النظرة المستقبلية للاقتصاد الكويتي من “مستقرة” إلى “سلبية”.

وقال البيان: نحن في غرفـــــــة تجارة وصناعة الكويـت كنّا – مثل كثيرين غيرنا – نعرف ونحذّر من أن الكويت تتجه نحو أزمة بنيوية عامة، شاملة، ونافذة إلى صميم كافة أنشطة الدولة والمجتمع بلا استثناء. ذلك أن ضعف الإدارة العامة، والانحياز الرسمي والشعبي الكامل نحو المبالغة في “رعوية الدولة” على حساب احتياجات المستقبل، أديا إلى إبقاء الإصلاح بكل أبعاده ومعانيه لافتة بلا مضمون، وشعاراً دون تطبيق. وبالتالي، لم تسجل الاختلالات الهيكلية الأساسية الثلاثة؛ ضيق القاعدة الإنتاجية، وانحراف التركيبة السكانية، وهيمنة القطاع العام، أي تحسن يذكر طوال العقود الثلاثة الماضية. وبينما يتسارع تضخم حجم الإنفاق العام الاستهلاكي، ويتوالى ويزداد عجز الميزانية العامة، تتردى الخدمات العامة والبنية الأساسية والمؤسسية، ويتراجع مستوى التعليم، وتتعرض محاولات التصدي الجاد للفساد لمقاومة شرسة، وتتماهى حدود السلطات الثلاث وتتداخل، ويصبح الإصلاح أكثر تكلفة مالية ومجتمعية وأبعد منالاً.

وأكد البيان: لا نقول هذا تعذيباً للذات ولا ملامة لأحد، ولكن تعبيراً عن وعي تام بالدلالات البعيدة والانعكاسات العميقة لتخفيض التصنيف الائتماني السيادي، الذي يُمثل جرس إنذار عالي الصوت متواصل الرنين، يجب ألا يمرّ دون وقفة موضوعية واعية، وفزعة وطنية جامعة، وإجراءات تستوعب المتغيرات ولا تتهيب التغيير، خصوصاً أن هذا المشهد القاتم لم يكن مشهداً مشرقاً قبل متلازمة انخفاض أسعار النفط وجائحة كوفيد 19، ولكنه ازداد قتاماً وتفاقماً بعدها، فأضحت الصدور أكثر ضيقاً، وأضحت النظرة إلى الغد أشد قلقاً.

وشدد على أن الغرفة في ورقتها هذه لا تحاول أن توزع مسؤوليات الأخطاء والخطايا، أو توجه اتهامات القصور والتقصير، لأنها لا تملك الحق في ذلك أصلاً، ولا تملك القدرة عليه، خصوصا أن مثل هذا اللوم والتأسي على اللبن الضائع لن يزيد الوضع إلا تعقيداً، ولن يزيد المواقف إلا تصلباً. والغرفة – في الوقت ذاته – لا تبرئ أحداً أو جهة من مسؤولية ما نحن فيه، لأنها على يقين بأن كل الأطراف، دون استثناء، شريكة في هذه المسؤولية؛ فالسلطة التنفيذية، بطريقة تشكيل حكوماتها وضعف أجهزتها، شريكة في المسؤولية. والسلطة التشريعية، بإخفاقها في الانتقال إلى مقاعد تمثيل الوطن كله شريكة في المسؤولية. والمواطنون على اختلاف شرائحهم الاجتماعية والمهنية والسياسية مشاركون في تعقيد وتصعيد أزمة الحرية والإصلاح والتنمية، لإصرارهم الثابت، ونجاحهم المتكرر في إعادة إنتاج البيئة السياسية، حسب اعتبارات العصبية والمصالح بدل معايير الكفاءة والإصلاح.

ومن جهة أخرى، إن غرفة تجارة وصناعة الكويت لا تدعي أبداً القدرة على إيجاد المخرج ورسم خارطة الطريق، فهذه مهمة لا يمكن أن ينهض بها إلا توافق وطني تتعاون في إطاره السلطات الثلاث، وقوى الحراك السياسي، ومنظمات المجتمع المدني. غير أن هذا لا يمنع الغرفة من القيام بواجبها المهني كممثلة للقطاع الخاص، وبواجبها الوطني كمؤسسة كويتية شهدت ولادة الدستور، وساهمت في استلهام رؤاه وتطلعاته، وواكبت ارتفاع صرح مجلس الأمة واحتفت برفع قواعده.

وأخيـــــراً؛ تأمل الغرفة أن تساهم ورقتها هذه في تحريك الفزعة الوطنية، بعد جرس الإنذار الخطير والكئيب الذي أطلقه تخفيض التصنيف الائتماني السيادي، وهي تعلم تماماً أن الحوار الوطني الراقي والمتحرر من ضغوظ المصالح والمواقف المسبقة، لابدَّ أن يعدّل في مضمون هذه الورقة، ويحذف منها ويضيف إليها. غير أن الغرفة ترجو أن نتفق جميعاً على أن أي شعب يطمح إلى الديمقراطية وحرياتها وحقوقها، لابد أن يلتزم – في المقابل – بمسؤولية وطنية موازية ومكافئة. فكل حق يقابله واجب، والحرية على قدر المسؤولية، خصوصا أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم سياسياً وتقنياً واقتصادياً، تشكل ضغوطاً قوية ومتزايدة على اقتصاد الكويت وماليتها العامة، وستؤدي بالتأكيد – في حال استمرار الهروب من الإصلاح – إلى إضعاف قدرة الدولة على توفير حياة كريمة لمواطنيها. وهنا تؤكد الغرفة ثقتها المطلقة بأن المواطن الكويتي، الذي نطلب منه هذه الفزعة الوطنية، وهذا الالتزام بالمسؤولية، لن يتردد أبداً في الاستجابة، شريطة أن يأخذ حقه في الاطلاع على الحقيقة بكل تفاصيلها وجوانبها، خصوصاً من حيث غايات الإصلاح وضرورته والتضحيات التي يتطلبها، والتكلفة الوطنية والمالية للاستمرار في الهروب منه.

وختم البيان: في بلد طغت فيه السياسة على القرار الاقتصادي حتى انحرفت به عن الحصافة والصواب، يصبح الحديث الصادق والصريح عن العلاقة العضوية بين السياسة والاقتصاد بمنزلة واجب وطني والتزام أخلاقي، فليس غريباً – إذن – أن نتحدث عن السياسة في معرض البحث عن مخرج من المأزق الاقتصادي، بل الغريب ألا نفعل . وما كانت الغرفة لتختم ورقتها بهذا الجزء بالذات لولا قناعتها العميقة بأن التأزم السياسي في الكويت أصبح أخطر ما يهدد جهود التنمية، وأن الإخفاق التنموي – في المقابل – أصبح أكثر ما يثير أسباب التأزم السياسي؛

– فعندما ينفصل صندوق الاقتراع عن التنمية المستدامة، يصبح المستقبل في خطر.

– وعندما يُبنى القرار الاقتصادي من منطلق احتكار الحقيقة، وعلى أسس الشك والريبة، تصبح الديمقراطية في خطر.

– وعندما تبعدنا الخلافات السياسية والعصبيات المجتمعية عن الإحساس بلهيب حرائق المنطقة، وتفقدنا الوعي بمخاطر ما نحن فيه، وما نحن إليه، يصبح الوطن كله في خطر.

الإجراءات والقرارات الاقتصادية مستحقة الإقرار والتطبيق

حدد البيان المطلوب من الإجراءات الاقتصادية بالآتي:

أولاً : أن نتحرر من السؤال المعيق حول أولوية القضاء على الفساد والهدر أم المشاركة الشعبية في اعباء المالية العامة؟ وكأن من المتعذر علينا أن نعمل على ضفتي المال العام في وقت واحد.

ثانياً: وقفة تستوعب التغيرات الشاملة والعميقة محلياً وعالمياً، تقنياً وسياسياً واقتصادياً. وتوقن بأن هذه التغيرات تفرض بالضرورة تغيراً بذات العمق والشمول يؤكد حتمية الحوكمة والمساءلة، ويعيد النظر في مفاهيم العدل والرفاه والكفاءة، ويوازن بين حقوق الأجيال، أما الاستمرار في الرهبة أو الهروب من استحقاق التغيير الهادئ والتدريجي، فسيؤدي إلى أن يفرض الاصلاح نفسه بطريقة خاطئة وخطيرة.

ومثل هذا التغيير يجب أن ينطلق– برأينا- من قواعد ثلاث:

1- التمسك– بعد الايمان بالله والثقة بتوفيقه– بالدستور ومؤسساته، وفي طليعتها أسرة الحكم ومجلس الأمة.

2- الوحدة الوطنية القائمة على الحرية والعدل وسيادة القانون، وعلى اعتبار الهوية الوطنية الكويتية قبل وفوق كل هوية أخرى، وتوظيف هذه “الهويات الأخرى” لتعزيز الهوية الوطنية وإثراء ثقافتها وحضارتها.

3- الإقرار سلفاً بصعوبة تحديات المرحلة القادمة، وما تتطلبه من وعي وتضحية من كل القيادات السياسية والقوى المجتمعية، ومن جميع المواطنين دون استثناء، كل حسب موقعه وقدرته وامكاناته. وبغير التسليم الصادق بحتمية هذه التضحيات وشموليتها كشرط أساسي لإحداث التغيير، سيبقى الاصلاح أمنية تتقاذفها الأيام إلى أن تضيع الفرصة تماماً.

وفي هذا الصدد، تعتقد الغرفة أن القضايا والسياسات والاجراءات التالية تأتي على رأس القرارات الاقتصادية مستحقة الإقرار والتطبيق:

أولاً: من حيث توفير البيئة التي تتيح للقطاع الخاص أداء دوره التنموي

1- إعادة هيكلة الادارة العامة واصلاح القطاع العام بهدف ترشيقهما ورفع كفاءتهما.

2- تحتل الخصخصة أهمية مركزية في المنهجية الشاملة للاصلاح الاقتصادي، وتمثل شرطاً أساسياً لتعزيز دور القطاع الخاص. والخصخصة التي نعنيها هنا هي التي تحترم تطلعات العمالة الوطنية وحقوقها، وتحول دون أي ارتفاع غير مبرر بأسعار السلع الرئيسية والخدمات العامة، وتقدم فرصة حقيقية للمشاركة الشعبية في ملكية المشاريع.

3- لا يجادل أحد في حق الدولة بملكية النفط والغاز وإنتاجهما. غير أن التوسع في هذه الملكية لتشمل كل أنشطة القطاع النفطي– تكريراً وتصنيعاً ونقلاً وتسويقاً– يشكل توسعاً لا مبرر له دستورياً أو اقتصادياً، وقد ساهم هذا التوسع إلى حد بعيد في تهميش دور القطاع الخاص وإضعاف قدراته وآفاقه. ولم يعد من المقبول أن يبقى القطاع الخاص مبعداً بشكل كلي عن فعاليات قطاع النفط بعد الانتاج، بكل ثقلها في الناتج المحلي الاجمالي وفي التصدير.

4- إعادة النظر في احتكار الدولة للأراضي، في إطار تنظيم عادل يساهم في تعزيز الإيرادات العامة، ويضمن لذوي الدخل احتياجاتهم، ويحول دون الاحتكار، ويتيح للقطاع الخاص المساهمة الفاعلة في مشاريع الإسكان.

5- إصلاح العملية التعليمية اصلاحاً جذرياً، يلبي احتياجات التنمية والطبيعة التنافسية للعمل في القطاع الخاص، ويستجيب إلى معايير الابتكار والإبداع، ويسمح للكويت بدخول الثورة الصناعية الرابعة.

6- إن الاقتصاد الريعي، وهيمنة القطاع العام، وتضخم الجهاز الوظيفي، واعتماد الأنشطة الاقتصادية على الانفاق العام… عوامل بالغة الأثر في تشكيل بيئة حاضنة للفساد، وكلها تلعب هذا الدور في الكويت. وقد ثبت محلياً وعالمياً أن الفساد بتجلياته الاقتصادية لا يعكس تشوهاً في القيم بقدر ما يعكس نقصاً في الحرية الاقتصادية، وخطأ في السياسات، وضعفاً في الادارة العامة والأداء.

7- إعادة النظر في قانون الخصخصة، وقانون الشراكة، وقانون تشجيع المنافسة ومنع الاحتكار، وتفعيلها بأسرع وقت ممكن بعيداً عن سيطرة الشك والريبة، وبعيداً عن احتكار القطاع العام للقرار والصواب والنزاهة، رغم عشرات الأمثلة التي لا تؤيد ذلك.

ثانياً: من حيث الالتزام التنموي والوطني للقطاع الخاص المتطور

1- إدخال مفهوم الضريبة، وفرض ضريبة الدخل على وجه التحديد والأولوية باعتبارها الضريبة التي تعزز الديمقراطية، ولا تمس جيوب أصحاب الدخل المحدود، على أن يتم ذلك بشكل تدريجي وسهل وعادل، وعلى كل شخص طبيعي أو اعتباري يزيد دخله عن الشريحة المعفاة.

2- إعادة تسعير الخدمات العامة ورفع القيمة الايجارية لأملاك الدولة بشكل تدريجي، على أن نحافظ على التوازن المطلوب بين زيادة الايرادات العامة، وضبط نسب التضخم ومستويات الأسعار.

3- إعادة هيكلة الدعوم وترشيدها، بحيث يكون حجم الدعم أكبر كلما كانت قدرات المواطن أقل، وبحيث يوجه الدعم الاجتماعي إلى المواطنين الذين يحتاجونه، ويوجه الدعم الاقتصادي إلى المؤسسات والأنشطة التي تستحقه. ووقف الهدر في الإنفاق العام، وخاصة في التوريدات والمشتريات والعلاج بالخارج.

4- تهيئة الشروط اللازمة لإلغاء نظام الكفيل، بغية القضاء نهائياً على تجارة الاقامات.

5- المساهمة الفاعلة في رسم وتنفيذ الاستراتيجية الرامية إلى توطين العمالة في القطاع الخاص باعتباره البوابة الرئيسية لتعديل التركيبة السكانية. مع مراعاة مصلحة الاقتصاد الوطني، وتنافسية القطاع الخاص واحتواء ارتفاع الأسعار.

ومن المهم أن نؤكد هنا أن مجموعة السياسات والتوجهات والاجراءات التي ركزت عليها هذه الورقة تشكل برنامجاً واحداً متكاملاً، يجري العمل على تنفيذ بنوده بشكل متواز، ولا يمكن أن نأخذ ببعضها ونهمل بعضها دون أن يؤثر ذلك على جدواها وكفاءتها ومردودها.

جريدة الجريدة