كهرباء زحلة من منظار آخر… قصة نجاح تقني وإعلامي

يشهد لبنان منذ زمن بعيد أزمة طاقة، أدّت كما غيرها من المشاكل إلى تدهور الثقة بين المواطن والدولة، وأبعد من ذلك، إلى الانهيار المالي والاقتصادي. وتُشكّل تغطية مؤسسة كهرباء لبنان نحو 63 في المئة من الطلب على الطاقة، بالإضافة إلى ذلك يتكبّد القطاع خسائر فنيةً وغير فنية تشمل ثلث الطاقة المنتجة. أمام هذا الواقع، ظهرت عشرات الآلاف من المولّدات الخاصّة العاملة على المازوت. ومن جهةٍ ثانية، حصلت زحلة وجوارها على امتيازٍ لإدارة قطاع الطاقة في المنطقة منذ عام 1923، وتحوّل عام 2019 إلى عقدٍ تشغيلي. لذلك نطرح تساؤلاً، ما الذي يميّز خدمة الكهرباء في زحلة؟ وما هو التقييم لأدائها؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، قام فريقٌ من الخبراء من معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، مؤلّف من علي أحمد، ومزنه المصري، ومارك أيوب، ونيل ماكولوك، بدراسةٍ طرحوا فيها الإصلاحات التي قامت بها شركة #كهرباء زحلة، والدروس التي نستخلصها من عملها، بهدف تحديد ما إذا كانت نموذجاً ناجحاً، ومدى أهمية التجديد لها.

الدعم خارج زحلة للمواطن… أمّا هناك، فهو ريع للشركة!

نجحت الشركة في تطبيق الامتياز، عبر التعاقد مع مقاولٍ خاصٍ للحلول مكان الدولة عندما ينقطع التيار الكهربائي. في هذا السياق، نذكر أنّ كهرباء زحلة كانت تحصل على الطاقة من شركة كهرباء لبنان على سعر 50 ليرة للكيلوواط في الساعة، وذلك حتى عام 2019 حين أصبحت الكلفة 88,1 ليرة. وحتى هذا السعر يظل أقلّ من التعرفة التي يدفعها المواطن اللبناني في مناطقٍ تابعة لتغطية مؤسسة كهرباء لبنان، وهي بمعدّل 135 ليرة (لأنها تختلف حسب الشطور). يحصل المشتركون (في خدمة مؤسسة كهرباء لبنان)، وشركة كهرباء زحلة على الطاقة من القطاع العام بأقلّ من كلفة الإنتاج، لكن الفرق بين أهل المناطق المستفيدة من شركة كهرباء زحلة والمستفيدين من مؤسسة كهرباء لبنان، هو أنّ القسم الثاني يستفيد من الدعم، أمّا القسم الأوّل فلا يحصل على الدعم الذي يكون من حصّة شركة كهرباء زحلة.

استفادت كهرباء زحلة من ال#ريوع

دعمت هذه الريوع، التي حصلت عليها شركة كهرباء زحلة، تطوير بنيتها. ومن خلال استفادتها من شبكة وإمدادات مؤسسة كهرباء لبنان، طوّرتها بهدف التخفيف من الخسائر الفنية “الطاقة التي تهدر”. وبالفعل، لا تتخطى نسبتها الـ5 في المئة في زحلة. بالإضافة إلى ذلك، فإن نسبة الجباية هي 100 في المئة. ويعود ذلك، بحسب مزنه المصري أحد الباحثين، إلى أن زحلة منطقة غنية نسبياً، ومن خلال المقابلات التي قامت بها مع الفريق، كانت تتردد على مسامعهم عبارة أنّ المشتركين يخافون من فكرة تراكم الفواتير عليهم، كما هو حاصل في مناطق لبنانية أخرى، لأسباب لا علاقة للمشترك بها.

ويخبر علي أحمد، أنّ “موضوع رفع التعرفة مقابل خدمة جيّدة وارد عند أهل زحلة كما في بقية المناطق التي أجروا المسح فيها، وخاصة المصانع والمستشفيات”. ونجحت شركة كهرباء زحلة في اكتساب ثقة المجتمع، وهذا حافز للقبول بزيادة التعرفة، وهو أمر غير موجود في بقية المناطق اللبنانية التي لا تثق بأقوال المسؤولين في مؤسسة كهرباء لبنان، فالوعود لم تنفذ.

التعاطف الشعبي مع شركة كهرباء زحلة

الرضى عن أداء كهرباء زحلة، ليس حصيلة أنها تؤمّن كهرباء 24/24 فقط، إنما لأنّ نوعيتها جيّدة ولا يشعر المشترك بالانتقال من كهرباء “الدولة” إلى كهرباء المولّدات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للمستهلك استخدام كمّية الطاقة التي يحتاج إليها حتى عندما تكون التغطية للمولدات. وتضيف المصري أنّ “أحد الأشخاص قال لها إنه مستعد لدفع مليون ليرة لشركة كهرباء زحلة، على أن يدفع عشرة آلاف ليرة لمؤسسة كهرباء لبنان، لأنّ الخدمة لدى الشركة تضفي شعوراً من راحة البال لدى المشترك”.

الشعب اللبناني متعطش لخدمة كهرباء جيدّة، وكهرباء زحلة تقدم هذه الخدمة مقابل دفع اشتراك قريب من تسعيرة المولّدات. ولكن الأمر الذي ليس في مصلحة الشعب هو تدهور سعر صرف الليرة والتضخم، في ظلّ عدم القدرة على تصحيح الأجور، الوضع الذي يفرض أولويات جديدة للدفع.

التخطيط الاستراتيجي مفتاح الحل

يرى مارك أيوب أنّ “قطاع الطاقة في لبنان بحاجة إلى خطةٍ استراتيجيةٍ، وعلى الدولة تحديد رؤيتها له على المدى البعيد، وتحديد ما إذا كانت ستكون خطة مركزية أو لا مركزية لقطاع الكهرباء، لأننا إذا اتجهنا نحو خطة لا مركزية، فسنكون بحاجة إلى تعديلاتٍ وتحسيناتٍ لنموذج كهرباء زحلة الموجود حالياً، حتى لا يكون نجاح القطاع على حساب الريوع التي تقدمها الدّولة له”.
تستفيد كهرباء زحلة من الريوع، الناتجة عن الفارق ما بين كلفة شرائها للطاقة من مؤسسة كهرباء لبنان وبيعها للمشتركين بسعرٍ أعلى بكثيرٍ، وأدّت هذه الريوع لأن تكون خدمة الشركة ممتازة من ناحية الجودة، أو سرعة إرسال فرق الصيانة وغيرها من الميزات. وبحسب مراقبين، سعت الشركة عبر هذه الأمور إلى اكتساب التعاطف الشعبي معها من أجل الضغط للتمديد لها بشكلٍ دوري، ولأهدافٍ زبائنيةٍ.

الاتجاه نحو الطاقة المتجددة ميزة مهمة

ومن ميزات شركة كهرباء زحلة، اتجاهها نحو الطاقة المتجددة. وتشرح المصري: “تترك الشركة مجالاً للمشتركين بتركيب لوحات للطاقة الشمسية، وذلك بهدف خفض فاتورة الكهرباء على المشترك”.
ويضيف أيوب، من الناحية التقنية، أنّ “المشترك يستفيد بنفسه من الطاقة التي تولدها اللوحات. وما يبقى من الطاقة غير المستهلكة يُرسلها الجهاز إلى كهرباء زحلة”. وبذلك يكون المستهلك قد وفّر من ناحيتين، الأولى أنّ الطاقة التي استخدمها من اللوحات مجانية، والثانية أنّ الطاقة الباقية التي أُرسلت إلى كهرباء زحلة ستُحسم لاحقاً من فاتورته.

ومن الملحّ جدّاً، بسبب شحّ الدولارات الذي يهدّد الاستيراد، أن نتّجه في ظل هذه الظروف نحو الطاقة المتجددة، التي ستخفف فاتورة الاستيراد كثيراً، بعد التقليل من استيراد المحروقات. ومن خلال المسح الذي قام به فريق البحث للمنطقة، تبيّن أنّ عدداً كبيراً من المشتركين لديهم الوعي الكافي بأهمّية الطاقة المتجددة، ومساهمتها في خفض فاتورة الاشتراك، إلّا أنّ شراء اللوحات والمستلزمات في ظلّ هذه الظروف أمر صعب. لكنّ عدداً لا بأس به من التجّار يبيعون المستفيدين من كهرباء زحلة هذه اللوحات بالتقسيط، لعلمهم أنّ هذه الخدمة تخفّض الفاتورة، ومن ثم سيتمكن المشتري من سداد الدين.

وتبيّن للباحثين أنّ تجربة كهرباء زحلة ناجحة، لكن على حساب الريوع التي تلقّتها من مؤسسة كهرباء لبنان. وهذا ليس الهدف، فالمطلوب هو النجاح في هذا القطاع من دون تحميل الدولة خسائر إضافية، فالاتجاه نحو الطاقة البديلة هو الغاية، لكن ليس عبر الاتكال على الريوع، والتخفيف من الخسائر الفنية وغير الفنية من النقاط الإيجابية أيضاً. وعندما نتكلم عن خسائر غير فنية، نقصد بذلك عدم دفع الفواتير وسرقة الكهرباء وغيرهما.

يترتب على المسؤولين إذاً وضع خطة واضحة المعالم للكهرباء في لبنان، ورفع منسوب مشاركة الطاقة البديلة من حجم التغطية، وعدم الهدر في الإنفاق على مشاريع تطغى عليها الزبائنية والفئوية، وتسعى إلى توسيع ساعات تغطيها من الطاقة البديلة، وساعات الانقطاع تتولاها اتحادات شبيهة بكهرباء زحلة تولّد الكهرباء بطرقٍ صديقةٍ للبيئة، وتتولى التوزيع والصيانة، من دون تحميل أعباء ذلك للدولة عبر الاستفادة من الريوع.
جريدة النهار: كميل بو روفايل