الخليج العربي بين 2020-2021

كانت سنة 2020 سنة معقّدة وصعبة على العالم، ومن ضمنه دول #الخليج العربي. ومن دون شك كان العنوان الرئيسي والأهم لهذه السنة هو الانتشار الهائل لجائحة كوفيد -19 وآثارها السلبية الحادة على الصعيدين الصحي والطبي، إلا أن ذلك لم يمنع وجود تحديات مهمة واجهتها دول الخليج كان لها الأثر المهم في المشهد السياسي عامة. فغياب شخصيات من الوزن الثقيل المؤثر عن الحياة والمشهد السياسي مثل السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان والأمير صباح الأحمد الصباح أمير الكويت والشيخ خليفة بن حمد آل خليفة رئيس الوزراء البحريني كان له الأثر المعنوي الكبير لما كان لتلك الشخصيات من تأثير في سياسات بلدانها.

وهناك أثر الوضع الاقتصادي الذي لا يمكن إغفاله في دول المنطقة بسبب الهبوط الحاد في أسعار النفط الذي يشكل الرافد المالي الرئيسي، وكذلك تبعات إغلاق الاقتصاد الاحترازي الذي ترك آثاره السلبية القاسية في القطاعات كافة، ومن دون أي استثناء.

شهدت هذه السنة تطورات لافتة ومهمة للغاية في مكانة وموقع القوى الإقليمية غير العربية الأكثر تأثيراً، وفي أدوارها المتطورة التي لم يعد من الممكن إنكارها وتجاهلها. والمقصود هنا تحديداً كل من إيران وتركيا وإسرائيل. فهذه الدول بات لها اليوم أصدقاء وشركاء وحلفاء من دول الخليج العربي، وهذا له وقع مهم على الخريطة السياسية التقليدية المعروفة في السابق، وإن كان الوضع الاقتصادي المتدهور لكل من إيران وتركيا والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليهما من المرجح أن يكون لهما الأثر الملموس في سياستهما مع حلفائهما في دول الخليج العربي.

ولا يزال الخلاف الخليجي، وتحديداً بين السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين، من جهة، وقطر من جهة ثانية، حاداً للغاية وعميقاً. وبرغم بعض المؤشرات والتصريحات التي كانت توحي بتفاؤل حذر ومحسوب، إلا أن الواقع بقي على ما هو عليه والسنة الحالية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وذلك برغم الوساطة الكويتية المستمرة والقائمة.

ولا تزال التهديدات الإرهابية تشكل خطراً جدياً، فالاعتداءات التي حصلت والمخططات التي أحبطت للميليشيات الإرهابية المحسوبة على إيران والتي استهدفت السعودية والبحرين والإمارات والكويت، تؤكد أن الخطر لا يزال قائماً ولا بد من أن يؤخذ جدياً للغاية.

السنة الجديدة ستشهد دخول إدارة أميركية جديدة تماماً الى سدة البيت الأبيض. إدارة من المتوقع أن يكون لها نهج مغاير ومختلف تماماً عما كانت عليه الأمور مع الرئيس الحالي الذي شارفت ولايته على الانتهاء دونالد ترامب. ستراقب دول الخليج العربي سياسة إدارة الرئيس القادم جو بايدن تجاه المنطقة عموماً، وتجاه إيران وتركيا وإسرائيل تحديداً، لما لهذه المسائل من آثار مهمة ومؤثرة في مجريات السياسة في المنطقة.

مسألة أخرى ستراقبها دول الخليج العربي هي سياسة الطاقة التي ستتبعها إدارة بايدن، لأن سلفه ترامب كان “مهتماً ومتدخلاً ومؤثراً وفعالاً” في شأن السياسات النفطية كما أظهرته الحوادث في مناسبات عديدة ومختلفة. سنة جديدة ستواجه دول الخليج العربي في ظل “جمود وقلة حماسة” لتطوير آلية عمل منظومة مجلس التعاون الخليجي في ظل استمرار الخلاف الخليجي العميق. سيراقب المجتمع الاقتصادي الدولي السياسات المالية الجديدة والضريبية منها تحديداً والتي يتردد أن بعض الدول قد تقدم عليها.

السنة الجديدة قد تشهد قيادة جديدة تتبوأ المشهد السياسي في إيران في ظل الحديث المتزايد والجدي عن التدهور الشديد جداً للحالة الصحية لمرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي. وهذا من المتوقع أن تكون له أبعاد جدية لأن المرشحين لخلافته ليست لديهم الملاءة والجدارة الشرعية نفسها التي للمرشد الحالي، ما قد يقوّي دور منظومة الحرس الثوري على حساب مؤسسة الرئاسة بشكل أهم وأخطر.

سيكون الهم الأمني والهاجس الاقتصادي أهم محرّكين للقرارات السياسية في دول الخليج العربي في سنة من الواضح فيها أن التغلب على الجائحة الفتاكة والحفاظ على صحة الناس وتوفير اللقاح بشكل عادل وفعال هو التحدي الأول والأكبر للعبور من النفق الاقتصادي المظلم، ما يجعلها سنة مليئة بالتحديات المعقدة وغير تقليدية بكل المعايير. باختصار شديد، سنة صعبة وغير مسبوقة. ستحاول دول الخليج العربي إعادة الحراك الى علاقاتها الاقتصادية مع الصين تحديداً ودول الشرق الأقصى عموماً، التي تشكل عصب منظومة الطلب للنفط الخليجي.

ستستمر دول الخليج العربي في الانفتاح بشكل واسع ومركّز على العراق وزيادة الاستثمارات والتعاون التجاري معه لاعتبارات استراتيجية مهمة.

سنة 2021 ستكون سنة إعادة بناء وإعادة تركيز، مع الحذر الشديد من مكامن الخطر التقليدية.

قيل عن سنة 2020 إنها سنة الفايروس، وقيل عن سنة 2021 إنها ستكون سنة اللقاح، وعلى ما يبدو فإن سنة 2022 ستكون سنة الخلاص. وهو نهج لا يتعلق بالشأن الصحي فحسب، ولكن من الممكن أن ينعكس على الشأن السياسي العالمي العام وعلى دول الخليج العربي أيضاً خاصة.

جريدة النهار

Volume 0%

‏سينتهي هذا الإعلان خلال 25