الأسواق “تُغرق” بالبضائع المهرّبة و”السلّة المدعومة” …

كتب خالد أبو شقرا في صحيفة ” نداء الوطن ” :

أطاح انفجار الأزمة الإقتصادية بكل الإجراءات المتخذة لحماية بعض أصناف الصناعة الوطنية من الإغراق. فمع استفحال الركود التضخمي، وانهيار القدرة الشرائية فُتحت الأسواق اللبنانية أمام المنتجات الرخيصة. فاجتاحت مواد التنظيف والسلع الغذائية والمعلبات والسكريات وغيرها الكثير من الأصناف الغذائية المتاجر والمحلات، وأنزلت البضائع اللبنانية عن الرفوف.

جهدت “جمعية الصناعيين اللبنانيين” خلال السنوات الأخيرة على محاربة الإغراق، أو ما يعني التصدي لعمليات بيع المنتجات المستوردة في الاسواق المحلية بسعر أقل عن سعر بيعها في سوق البلد المُصدّر. وقد نجحت مع وزراء الصناعة المتعاقبين على تشكيل “لوبي” استطاع انتزاع قرارات داعمة للصناعة الوطنية من وزراء الاقتصاد المتعاقبين. فاتخذ الوزير رائد خوري في أيار العام 2018 قراراً بمنع إدخال منتجات “البسكويت” و”الويفر” من تركيا وفرض رسوماً على منتجات الالمينيوم. كما وقع وزير الاقتصاد منصور بطيش منتصف العام 2019 مشروع مرسوم، يقضي بفرض رسوم جمركية نوعية على 18 سلعة للحد من منافستها المنتجات اللبنانية بطريقة غير مشروعة. على ان تبقى سلعتان قيد الدرس هما الملبوسات والاحذية. وقد طال القرار البسكويت الويفر، أدوات التنظيف، البرغل، الطحين، الرخام الغرانيت، كرتون صواني البيض، ورق التخديد وورق التست لاينر، الادوات الصحية، أنابيب الحديد، بروفيليه الالمينيوم، كورن فلكس، المفروشات، البرادات والمجمدات، أفران الغاز، الغسالات، المحارم المعطرة، بعض المأكولات المعلبة، الورق الصحي، الالبان والاجبان البيضاء وصناديق الشاحنات. بيد ان انفجار الازمة بعد شهر من بدء تطبيق القرار عطل كل مفاعيله.

المنافسة غير المشروعة

جولة في الأسواق اللبنانية، وتحديداً في المناطق الشعبية، تُظهر بما لا يقبل الشك وجود أصناف غذائية كثيرة لم تكن موجودة سابقاً. وهي تلاقي إقبالاً كثيفاً نتيجة تدني أسعارها عن السلع التقليدية المنافسة، ومنها اللبنانية. “فجزء كبير من هذه السلع يدخل لبنان من دون فرض أي نوع من أنواع الحماية”، يقول الرئيس السابق لنقابة أصحاب الصناعات الغذائية في لبنان جورج نصراوي. “فهذه البضائع لا تخضع للفحوصات المطلوبة ولا تطالب بابراز الاوراق الثبوتية. وذلك على عكس ما تتبعه الكثير من الدول، ومنها مصر، التي تضيق بشكل كبير على المنتجات المستوردة التي تنافس صناعتها الوطنية، وتفرض رسوماً جمركية عالية جداً عليها. وهو ما يؤدي إلى حماية الانتاج الوطني من جهة، وتأمين مداخيل وفيرة للخزينة من الجهة الثانية. ناهيك عن ان الكثير من البضائع الموجودة في الأسواق تدخل تهريباً من دون أي ضوابط”.

التشديد المعاكس

يأخذ الصناعيون على السلطات تراخيها في مكافحة التهريب والتهرب وتشددها في تطبيق القوانين على المؤسسات النظامية. فالسلة الغذائية المدعومة التي كانت “تنفيعة” بحسب نصراوي، تنعكس تعقيداً وعرقلة في عمليات التصدير. حيث أصبح تصدير المنتجات اللبنانية يتطلب موافقة وزارة الاقتصاد، لئلا تكون البضائع المصدرة مدعومة. و”هذا ما يأخذ الكثير من الوقت ويرفع الكلفة ويعقّد عملية التصدير”، برأي نصراوي. “وبدلاً من ان يُسهل التصدير لتأمين العملة الصعبة توضع العراقيل في طريق الصناعيين اللبنانيين”.

في إطار سعيها لتأمين العملة الصعبة يلجأ العديد من الدول ومنها تركيا والصين إلى دعم أكلاف التصدير. وللغاية، إما تخفض سعر صرف عملتها مقابل الدولار، أو تدفع للمصدرين بدلات مادية بشكل مباشر عن كل عملية تصدير. وهو ما يؤدي عملياً إلى إغراق الأسواق المستهدفة ببضائع رخيصة تنافس بشكل غير مشروع المنتجات المحلية. الأسواق اللبنانية شكلت تاريخياً “مسرحاً” لهذا النوع من البضائع، ليس لانها تعتمد على الاستهلاك بشكل مفرط فحسب، انما لعدم التوصل لاتفاق بين وجهتي نظر: الأولى، تطالب برفع الرسوم الجمركية واعتماد السياسات الحمائية. والثانية: ترفض منطق ان يدفع اللبنانيون أكلافاً إضافية تذهب لمصلحة عدد قليل من المصنعين. وعلى هذا المنوال استمر الانقسام فترات طويلة وكانت الصناعة الوطنية تتقهقر وتضعف سنة بعد أخرى وشهدت إقفالات بالجملة، ففُقد العديد من الحرف، ولم يعد لبعض الصناعات أي تمثيل يذكر مثل السيراميك على سبيل المثال. واليوم مع ارتفاع أكلاف استيراد المواد الاولية للصناعة الوطنية وضعف القدرة الشرائية لليرة اللبنانية أصبحت الأخطار أكبر. وبدلاً من العمل على حماية ما تبقى من مصانع تشغل نحو 140 ألف عامل، شُرّع الإقتصاد غير الشرعي، واعتمدت سلة غذائية مشوهة، دعمت سلعاً ومواد غذائية مستوردة، يصنّع مثيلها في لبنان”، بحسب مصادر جمعية الصناعيين. “وإلا كيف يمكن تفسير دعم استيراد الحليب السائل ونحن نصنع الحليب؟”. وبالتالي فان المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى التشدد بتطبيق القوانين اولاً، ووقف التهريب بشكل نهائي، وترشيد، إن لم يكن وقف، السلة الغذائية. بحيث يحوّل الدعم على السلع المستوردة التي يصنع مثلها داخلياً الى دعم شراء المواد الاولية للصناعة الوطنية. وهو ما يؤدي بحسب الصناعيين “إلى انخفاض اسعار المواد المصنعة محلياً، ويحافظ على عشرات آلاف الوظائف المهددة بشكل كبير. والأجدى “وقف الدعم نهائياً وتمويل الافراد بشكل مباشر عبر البطاقات”، يقول نصراوي.

على الرغم من اهمية الصناعة واستقتال الصناعيين في الدفاع عن القطاع الذي يخلق مقابل كل فرصة عمل يؤمنها 2.2 وظيفة في بقية القطاعات، فان مطالب الصناعيين محددة. فهم يدركون حساسية الموقف والظروف الصعبة التي يمر بها المواطنون الذين يبحثون عن أرخص الاسعار في هذه الفترة الحرجة. وعليه فان مطالبتهم تتركز بشكل أساسي على وقف التهريب الذي هو جريمة بحق لبنان وجزء من الاقتصاد غير الشرعي. وبحسب مصادر الجمعية فان “التهريب أصبح على عينك يا تاجر في الفترة الاخيرة وهو يأخذ العديد من الأشكال ومنها: تقليص كمية السلع المذكورة في الفاتورة عن الكمية المستوردة فعلاً. الدفع للمهرب ليقوم بتسليم البضاعة داخل البلد من دون المرور بأي من الرسوم والشكليات القانونية. استيراد البضائع باسم جمعيات معفاة من الضرائب. تخفيض قيمة الفاتورة. استيراد البضائع تحت بند جمركي مغاير للبند الحقيقي، إدخال بضاعة جديدة على انها مستعملة.

“المركزي” يساهم بتعميق الأزمة

كلفة الانتاج المرتفعة التي تتحملها الصناعة الوطنية، أضيف اليها أخيراً إجبار مصرف لبنان الصناعيين بقراره الوسيط رقم 13260 تسديد قروضهم بعملة القرض. وبما إن معظم القروض بالدولار فان المصانع مجبرة على تحمل المزيد من الأكلاف لتحويل الليرة الناتجة عن عمليات البيع الداخلية إلى الدولار، ودفعها للمصارف على أساس سعر السوق، أو التضحية بدولارات التصدير لتسديد القروض، فتخسر جزءاً من قدرتها على استيراد المواد الاولية. الأمر الذي دفع بالجمعية إلى رفع دعوى أمام مجلس شورى الدولة لابطال القرار الذي يؤذي الصناعة والصناعيين.

المطالبة بوقف التهريب ومكافحة التهرب لا يقتصران على الصناعيين، بل هما أحد اهم مطالب الاصلاح الواجب تطبيقها في حال أراد لبنان السير بطريق التعافي. وبحسب المعطيات فان هذين الشرطين يعتبران أساسيان لبلورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي وحصول لبنان على المساعدات المطلوبة.