50 % من المؤسسات أفلست أو أُقفلت …

أدّى تسارع الانهيار المالي في لبنان إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق، بدأت سلبياته تتجلّى بوضوح على الشّركات والمؤسسات التّجارية والصّناعية والسّياحية. وأفلست أو أُقفلت 50 % من المؤسسات، التي كانت أساساً تواجه صعوبة الصّمود وتعتمد على مبيعاتها للحصول على السّيولة المفقودة أصلاً في المصارف. وزاد الأمر تعقيداً جائحة فيروس كورونا وأزمة شحّ الدولار وارتفاع سعر صرفه.

تطوّرات متسارعة رافقها مشهد دراماتيكي من التّسريح الجماعي العشوائي للعمّال والموظفين، أدت إلى ارتفاع معدّلات البطالة وتدهوّر القدرة الشّرائية للمواطن، بعد أن فقد الكثير من اللّبنانيين مصدر رزقهم.

وما يزيد الطين بلّة هو قيام بعض المؤسّسات باستضعاف موظفينها والاستخفاف بقدراتهم، فتمارس الحيل الملتوية في تنفيذ عمليّات الصّرف، لتبتلع حقوقهم.

تسريح بلا تعويض
“في ليلة وضحاها” تخلّت الشّركة عن خدمات مصطفى بعد 9 سنوات من العمل الدؤوب، دون دفع بدلات الصّرف التّعسفي أو تعويضات عن سنوات العمل.

ويقول مصطفى لـ “أحوال”، حُرمت من عملي بسبب الأوضاع الاقتصادية والماليّة الصّعبة التي يمرّ بها لبنان. خسرت مصدر رزقي، فيما صاحب العمل تذرّع بحجّة سعر صرف الدّولار وعدم قدرته على شراء البضائع من الخارج، لا بل وعجزه عن تسديد الرّواتب للموظّفين وحتّى تعويضات الصرف التّعسفي. ويأسف مصطفى لكونه مواطناً لبنانياً يعيش في بلد يفتقد لأدنى مقوّمات العيش، مشيراً إلى أنّ الدّعاوى القضائيّة في لبنان لا تحرّك ساكناً.

مصطفى ليس اللّبناني الوحيد الذي سُرّح من عمله، بل هناك الآلاف أمثاله الذين تم طردهم تعسّفياً هذه السنة، بسبب الضّائقة الاقتصاديّة وإجراءات المصارف بالحدّ من سحب الودائع، وتراجع القيمة الشّرائية للعملة الوطنيّة وارتفاع الأسعار الجنونيّ.

وبحسب الصّندوق الوطني للضّمان الاجتماعي، سجّل لبنان خروج 50 ألف أجير من سوق العمل، في حين تباطأت حركة التوظيف في العام 2020 بنسبة 71%.

القطاع التّجاري مريض
وأمام هذا الواقع، بات خبر إقفال المؤسّسات السّياحيّة من مطاعم ومقاهٍ وفنادق ومكاتب سفريات ومحلات تجاريّة خبراً مؤسفاً يتداوله النّاس يومياً.

من جهته، يقول رئيس جمعيّة تجّار بيروت نقولا شمّاس: “وصلنا إلى مرحلة حرجة؛ إذ أُغلقت 50 % من الشّركات أبوابها، فيما تعمل 50% منها باللّحم الحيّ. وتراجعت المبيعات بنسبة 80%، وبالتالي لم يعد أمامها خيار إلّا أن تقوم بمفاضلة بين مستحقات أصحاب الحقوق؛ فإمّا أن تدفع الضّرائب للدّولة أو تؤمّن الفواتير للموردين، أو أن تسدد الفوائد المصرفيّة، أو أن تدفع رواتب الموظفين.”

ويلفت إلى أنّ بعض المؤسسات أقدمت قسراً على تسريح الموظفين، أو تخفيض عدد ساعات العمل والأجور للحدّ من الخسائر بعد تراجع القيمة الشرائيّة للعملة الوطنيّة.

ويضيف، ما تعانيه الأسواق اليوم من تراجع في المبيعات وإغلاق محال تجاريّة يضع القطاع أمام مرحلة استثنائيّة، لم يعيشها لبنان حتى أيام الحرب. فالوضع مزري ويزداد سوءاً، ومخاطر الإقفال ما زالت تهدّد الكثير من المحال والمؤسسات التّجارية خصوصاً بعد انفجار 4 آب. ويشدّد على أنّ الهيئات الاقتصاديّة تعمل باستمرار لمحاولة انقاذ ما تبقى من القطاع.

قطاع المطاعم: ضربة موجعة
أمّا بالنّسبة لقطاع المطاعم الذي يلفظ آخر أنفاسه الأخيرة، فتلقى الضّربة القاضية، خصوصاً بعد التعبئة العامّة التي فرضتها جائحة فيروس كورونا، وبسبب غلاء الاسعار نظراً لارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللّبنانية، ما أدخلة إلى غرفة العناية الفائقة.

ويعاني قطاع المطاعم من أزمة خسائر بلغت ذروتها في شهر شباط بعد أن أعلن نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي في لبنان، طوني الرامي، عن إقفال 785 مطعماً وتسريح 25 ألف موظف من القطاع ما بين أيلول 2019 و شباط 2020، بسبب الانهيار الاقتصادي والمالي.

ويعتبر عدد من أصحاب المطاعم في بيروت والجنوب، أنّ القطاع يشهد شللاً كبيراً، والظّروف غير مناسبة، والكلفة التّشغيليّة تزيد عن نسبة 50%؛ إضافة إلى غلاء الأسعار الهستيري النّاجم عن ارتفاع سعر صرف الدولار، وتجنّب الزّبائن ارتياد المطاعم بسبب ضعف قدرتهم الشّرائية، والخوف من كورونا. ويلفتون إلى أنّ قطاع المطاعم والمقاهي في لبنان، خسر السيولة والقدرة الشّرائيّة والعامل التحفيزي.

ويعمل في قطاع المطاعم حوالى 55 ألف موظف مسجّلين في الضّمان الاجتماعي. ومنذ أزمة كورونا يتقاضى الموظفون 50 % من رواتبهم، ومنهم من لا يتقاضى أي راتب.

وأصدر مصرف لبنان في 24 آذار تعميماً يقضي بتقديم قروض ميسّرة بصفر فائدة تسدّد على مدى خمس سنوات، ويسمح للمؤسسات دفع رواتب موظفيها، لكن حتّى اليوم لم يستفد قطاع المطاعم من هذا التعميم، ما يزيد من حجم خسائره.

قطاع الفنادق في غيبوبة
وفي السّياق نفسه، يعيش قطاع الفنادق أوضاعاً صعبة أيضاً، ويوضح مدير إحدى الفنادق أن هناك إقفالاً جزئيا لثلاثة أرباع الفنادق في لبنان. ويلفت إلى تخفيض رواتب العاملين في القطاع إلى ما نسبته 50%. ويشير إلى تسريح أكثر من 30 ألف موظف من العاملين في السّياحة المسّجلين رسمياً، من أصل 160 ألفاً. ويلفت إلى أنّ قطاعات تنظيم الأعراس والحفلات والمهرجانات توقفت كليّاً.

السّياحة حلمٌ يتبخّر
وبعد أن كان عدد السّياح الوافدين إلى لبنان يتجاوز المليوني سائح سنوياً، تراجعت الأرقام بسبب شبح الأزمة الاقتصادية التي تخيّم على لبنان والتّحركات الشّعبية في الشّوارع وجائحة كورونا، لتصل إلى أقل من 100 ألف سائح. كل هذه العوامل أودت إلى واقع أليم يعاني منه القطاع الذي كان يشكّل 25% من الدخل القومي.

بدوره، يشير عباس صاحب إحدى مكاتب السفر في بيروت إلى أنّ القطاع يمرّ بأسوأ مرحلة في تاريخه، بسبب الأزمة الاقتصادية وتداعيات فيروس كورونا.

ويقول، قطاع مكاتب السّفر والسّياحة ضُرب في عموده الفقري فتراجعت أعماله بـ 90%، بعد أن تم إغلاق 200 من أصل 500 مكتب سفر تقريباً.

وزارة العمل تتأهّب
من جهتها، تقول المديرة العامّة لوزارة العمل مارلين عطا الله، إنّ وزارتها لاحظت ارتفاعاً في معدل الشّركات التي تقدمت بطلبات تشاور لإنهاء عقود عمالها، وبارتفاع نسبة الشّكاوى المقدّمة من الأجراء الذين صُرفوا من عملهم، “ولكن ليس لدينا أرقام دقيقة عن الواقع الفعلي لعدد الأجراء أو الشّركات التي أقفلت، خصوصا وأن بعض الشّركات لا تصرّح عن إغلاقها، والكثير من العمال المسرّحين لا يلجؤون إلى الوزارة للإبلاغ عن تسريحهم من العمل.

وتضيف، أنشات الوزارة لجنة طوارىء لمواجهة هذه الأزمة، ويتمّ معالجة كل الملفات التي تصلنا بجديّة، كما ونعمل باستمرار على توجيه الأجراء لمعرفة حقوقهم؛ وتتابع، هدفنا الأوّل المحافظة على استمرارية الأجراء وبقائهم في عملهم؛ وإن لم نستطيع، نحاول الوصول إلى تسويات بين صاحب العمل والأجير، لإنصاف الأخير ومساعدته في الحصول على مستحقاته كاملة.

معدّل البطالة يتجاوز الـ 40%
إلى ذلك، يشير الخبير الاقتصادي د.بيار الخوري إلى أنّ مشكلة القطاعين العقاري والتجاري في لبنان على علاقة ارتباطية قويّة مع انهيار مستوى الدّخل وانهيار سعر صرف اللّيرة. ويضيف، كان اقتصاد لبنان ذات بنية مجهّزة لتستوعب حجم ناتج وطني بين 50 و100 مليار دولار، لذلك توسّعت المشروعات العقاريّة، وتوسّعت معها المحلّات التّجارية ومجمّعات البيع، بالاستناد إلى مستوى طلب مرتفع طاول كافّة أوجه الانفاق والاستهلاك في الاقتصاد اللّبناني.

ويتابع، جاء انهيار القطاع المصرفي ليستكمل عمليّة تراجع الطلب في الاقتصاد ويزيدها حدّة. أدى ذلك إلى تراجع حجم الاقتصاد الوطني بمعدل الثلثين من 52 مليار دولار إلى 18 مليار دولار في سنة وفقاً لدراسة صندوق النّقد الدولي.

ويردف، جاءت جائحة كورونا لتقضي على آمال قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني، حيث استكملت علمية الإقفال العام، وتراجع الطّلب الكلي في الاقتصادّ ما أدّى إلى موجة واسعة من إقفال المؤسسات وتسريح العمّال أو العمل بنصف راتب أو بلا راتب.

عملياً، بدت القطاعات الأكثر تأثراً بالسّياحة والضّيافة من فنادق ومطاعم ومقاهي تدفع بالدور ثمن الأزمة. وتتراوح التقديرات بين 1500 مؤسسة أي ثلث مجموع المؤسسات التّجارية العاملة في لبنان.

ويشير الخوري إلى إقفال حوالى 800 مؤسّسة سياحيّة، بينها مؤسّسات فندقيّة كبرى، واثنين من أكبر مجمّعات التّسوق. ويلفت إلى أنّ الظّاهرة الجديدة هي خروج مطاعم ومحلات ماركات السّلسلة في لبنان، وهذا مؤشر أساسي إلى عمق الازمة.

ويردف، هذه السّلاسل تعمل بناء لمعّدل عائد متوقّع في الأسواق المختلفة، وضمن فروع كل سوق حيث يتمتع قرار الفتح والإغلاق لمرونة عالية يمكن بموجبها الخروج سريعاً من أي سوق لا يحقق معدل العائد المستهدف.

وتشير كافة التقديرات من المراجع الدّولية كما المحليّة إلى أنّ معدّل البطالة سيتجاوز %40 مع نهاية العام 2020 ومعدّلات الفقر ستتجاوز 60%. فماذا سيكون انعكاس ذلك على مستوى الطّلب؟ ويقول الخوري كرة الثّلج ستتدحرج بسرعة نحو تفكّك أوصال السّوق اللّبناني وأسواق العمل.