المسّ بالاحتياط الإلزامي جريمة وطنية كبرى …

يستسهل البعض طرح فكرة المسّ بالاحتياط الإلزامي للاستمرار في دعم السلع الحيوية مع قرب نضوب العملة الصعبة الخاصة بمصرف لبنان، غير مدركٍ للمخالفات القانونيّة الجسيمة لهذا الطرح العشوائي، وللعواقب الوخيمة التي يخلّفها على ما تبقى من أموال المودعين، وعلى القطاع المصرفي عموماً، وعلى مقوّمات الاقتصاد الوطني الذي سينهار دفعةً واحدة في موعدٍ ليس ببعيد.

إن الاحتياط الإلزامي هو في التعريف، نسبةً مقتطعة من أموال المصارف أي من أموال المودعين تعادل 15% منها، توضع في مصرف لبنان كنوعٍ من التأمين على هذه الأموال. إذاً، هي وديعة أو أمانة وليست ديناً لأجل ليتمّ التصرّف به حتى موعد هذا الأجل، وبالتالي فإن استخدامه وتحت أي عنوان كان، يشكّل مخالفة واضحة للدستور خصوصاً الفقرة (و) من مقدّمته التي تنصّ على حماية الملكية الخاصة، وكذلك مخالفةً لقانون النقد والتسليف، وقانون العقوبات الذي صنّف إساءة الأمانة في خانة الجرائم الجنائية. أمّا دعوة بعض المنظرين والسياسيين المشبوهين مصرف لبنان إلى تخفيض نسبة الاحتياط الإلزامي بحكم انخفاض حجم الودائع، واستخدام القيمة المقتطعة لمواصلة الدعم فهي دعوة غير قانونية ومرفوضة، لأنّ الأموال المقتطعة من الوديعة – الأمانة وفق القانون، يجب إعادتها إلى أصحابها أي إلى المودعين في المصارف، ولا يجوز استخدامها لأيّ غرض كان.

هذا من حيث القانون، أمّا من حيث العواقب المترتبة على ذلك، فحدّث ولا حرج، إذ إنه بعد سنتين على الأكثر، سيتم استنزاف هذا الاحتياط كليّاً وسنكون أمام الوقائع الآتية:

– توقف عملية دعم السلع بصورة تامّة بحكم جفاف أيّ مصدر للعملات الصعبة.

– عدم قدرة المصرف المركزي على طبع العملة الوطنية في الخارج، كون عملية طبع الليرة بحد ذاتها تتطلب عملة صعبة بالدولار، وبالتالي سيتوقف عن مدّ المصارف بالليرة، والتي بدورها ستتوقف عن تأمين سحوبات المودعين، ما سيدفع بها إلى إقفال أبوابها تحت ضغط الجمهور وعجزها عن تلبية طلباته.

– القضاء على ما تبقى من مدّخرات نحو مليوني مودع لبناني، ما سيجعلهم تحت خط الفقر والعوز، وغير قادرين على تسديد الضرائب والرسوم المترتبة عليهم لمصلحة خزينة الدولة.

– تعثرالدولة كلياً أو جزئياً،عن دفع رواتب موظفي القطاع العام بسبب عدم قدرتها على تحصيل الضرائب والرسوم من جهة، وعدم قدرة المصرف المركزي على طبع الليرة لمدّها بالسيولة المطلوبة من جهة أخرى.

– القضاء على القطاع المصرفي اللبناني، وربما توجّه بعض الفئات إلى إنشاء مصارف بديلة ذات طابع طائفي ومذهبي

لحماية نفسها من عبثية الدولة المركزية.

– فقدان الثقة نهائياً بالدولة المركزية، وبدء البحث جدياً عن أنظمة بديلة.

ولا تنحصر أهمية الحفاظ على الاحتياط الإلزامي بتجنّب الأخطار المذكورة أعلاه، بل بالخميرة التي يشكّلها على صعيد النهوض الإقتصادي من جديد، واستعادة المودعين مدّخراتهم أو قسم منها على الأقل ، فأين تقع هذه الأهمية بالتحديد؟

– ضمان استمرار عمل المصارف، وتأمين سحوبات المودعين بالليرة أو بالدولار على سعر المنصة ( 3900ل)، ولو بنسبة تعادل نحو 45% من قيمة أموالهم فقط ( المودعون بالدولار)، وفي عملية حسابية بسيطة، إذا اعتبرنا أنه يحقّ للمودع سحب 1% من قيمة وديعته شهرياً إذا أراد، كما هو حاصل حالياً، أي ما يعادل 15% سنوياً، وبالتالي هو يستطيع سحب 75% منها خلال 5 سنوات، و100% خلال سبع سنوات أو أكثر قليلاً، وهنا نكون قد وصلنا إلى حل مشكلة المودعين بصورة كبيرة ، لتتابع المصارف نشاطها بأقل الديون الممكنة، ولا يجب أن ننسى أيضاً أن ديون المصارف للقطاع الخاص تبلغ نحو 40 مليار دولار، إلى جانب ديونها للمصرف المركزي والدولة المقدرة ب 80 مليار دولار.

– إن استخدام جزء من الاحتياط الالزامي لطبع الليرة في الخارج، قد يكون إحدى الوسائل المتاحة للاستمرار في تأمين سحوبات المودعين وأمورأخرى في حال نضبت العملات الصعبة من مصرف لبنان.

– ضمان تحويل العملات الصعبة المتدفقة الى لبنان من المغتربين والتصدير والاستثمارات الى الليرة اللبنانية، وبالتالي تمكن المصرف المركزي من الاستحواذ على جزء من هذه العملات للحدّ من انفلاش التضخم.

في المقابل، يدور نقاش حادّ حول السبل الكفيلة بمواصلة دعم بعض السلع الحيويّة عند نفاد الدولارات الخاصة بالمصرف المركزي، وللحقيقة تبدو جميع الخيارات المتاحة تتراوح بين السيء والأسوأ، وإذا قرّرت الدولة عدم المسّ بالذهب، بيعاً أو رهناً، لا يبقى هناك سوى ثلاثة خيارات:

-الأول: إنشاء صندوق وطني فوري لتأمين الدعم النسبي لهذه السلع وعلى وجه التحديد الدواء والطحين، على أن يموّل الصندوق من المساعدات الدولية، ومن ضرائب ورسوم تفرض على جميع معاملات الدولة وبطريقة تصاعدية، لا تطال كثيراً الفقراء وأصحاب الدخل المحدود.

– الثاني: إلغاء الدعم كلياً مع منح قسائم تموينيّة للعائلات الفقيرة والمتوسطة أو دفع مبلغ مالي قدره 500 ألف ليرة شهرياً لكل عائلة من هذه العائلات.

– الثالث: دمج الخيارين الأول والثاني معاً.

في الخلاصة، اللبنانيون جميعاً، يدفعون اليوم ثمن سكوتهم الطويل عن موبقات الهدروالفساد التي نخرت مؤسسات الدولة، وعن سياسة الشعبوية المدمّرة، المستمرّة منذ العام العام 1993، والتي طالما أغرتهم واستفادوا منها بشكل أو بآخر، سواء عبر تثبيت سعر صرف الليرة وهمياً بواسطة الديون الفاحشة الفوائد، أوعبر التوظيف العشوائي والصرف على الصناديق وغيرها من المنافع المختلفة، وذلك على حساب المودعين في المصارف وخصوصاً المغتربين منهم، لذا فإن المسّ بالاحتياط الإلزامي هو بمثابة الضربة القاضية التي توجهها الدولة إلى المودعين، ومن ثم إلى جميع اللبنانيين، نتيجة فقدان الثقة بالدولة، وانعدام الأمل بعودة الاقتصاد الوطني للنهوض مجدداً، فعسى أن يعي المسؤولون حجم هذه الجريمة الوطنية الكبرى قبل فوات الأوان….