تعزيز ملاءة المصارف وزيادة السيولة لإنعاش الاقتصاد…

تحوّل موضوع رفع الدعم عن الكثير من أصناف المواد الغذائية والكلام عن قيمة الاحتياطي الإلزامي للمصارف في مصرف لبنان المركزي، الى قضية عامة شغلت الرأي العام والوسط المالي والاقتصادي، وليس المؤسسات الرسمية فقط. خاصة ان المشكلة متشعبة وتتعلق بحاجة المواطنين الفقراء الى هذا الدعم، وحاجة المصرف المركزي والمصارف الخاصة الى السيولة، وحاجة خزينة الدولة ايضاً الى السيولة للمضي في تنفيذ خططها وبرامجها على كل صعيد، لا سيما تغطية نفقات دعم الأُسر الاكثر فقراً ومواجهة فيروس كورونا.
وكما في كل أمر حيوي، جرى تبادل رفع المسؤوليات عمّا وصلت اليه حال البلاد على الصعيد المالي والنقدي، بحيث “ضاعت الطاسة”، والنتيجة ان الدولة مفلسة والمصارف عاجزة، وموجودات المصرف المركزي في وضع سيئ.
لكن مصادر مالية رسمية موثوقة ترى ان الحال ليس بهذه الخطورة، وسيتحسن بالتأكيد إذا احسنّا التصرف ووضعت الحكومة والمصرف المركزي خطط العلاج بالتفاهم مع المصارف الخاصة. وتقول المصادر: ما يتم التداول به حول موضوع رفع الدعم وقيمة الاحتياطي الإلزامي “أكبر من حجمه”. وتوضح ان المصرف المركزي لا يرسم سياسات اقتصادية بل يموّل خطط الحكومة، وخطة الدعم الحالية لم تكن ناجحة ويُفترض بالحكومة وضع خطة اكثر عملية.
وتضيف المصادر ان المجلس المركزي لمصرف لبنان الذي اجتمع الخميس الماضي، لم يبحث في موضوع الدعم لأنه لا يضع الخطط والبرامج، لكن هذا الامر سيكون محور الاجتماع بين الحكومة والمصرف المركزي والمعنيين عن الوضع المالي والاقتصادي الاسبوع المقبل، بحيث سيُعاد النظر في موضوع رفع الدعم ووضع خطة حكومية جديدة ينفذها مصرف لبنان.
لكن المصادر تشير الى امر بالغ الاهمية وهو بحث مصرف لبنان عن افكار وخطط جديدة لمعالجة الوضع النقدي، وتقول ان موجودات مصرف لبنان البالغة 17 مليار دولار ليس قليلة بالنسبة لحجم لبنان، لكن المهم ان نُحسن التصرف بها. ومن الممكن استخدامها لإنعاش الاقتصاد أذا تغيرت سياسات الحكومات والمصارف الخاصة وإذا تم تشكيل حكومة فاعلة في وقت قريب.
وتكشف المصادر ان العمل جارٍ لإنعاش المصارف الخاصة عبر زيادة الملاءة والسيولة لديها، بموجب التعميم رقم 154 الصادر في شهر آب الماضي، القاضي بزيادة رأسمالها من خلال كبار المودعين بنسبة 20 في المئة، وهذا الامر اذا تم بنجاح سيتم إنعاش الاقتصاد وإراحة المودعين وتوفير السيولة.
ويحثّ التعميم عملاء المصارف “الذين قاموا بتحويلات تفوق قيمتها الـ 500 ألف دولار أو ما يوازيها بالعملات الأجنبيّة إلى الخارج منذ أوّل تموز 2017، على إعادة 15% من القيم المحوّلة، وإيداعها في حساب خاص مجمّد لمدّة خمس سنوات. أمّا إذا كان العميل المعني أحد رؤساء أو أعضاء مجالس ادارة المصارف، أو أحد كبار المساهمين فيها، أو أحد الأشخاص المعرّضين سياسياً، أي الذين يشغلون مناصب تنفيذيّة أو تشريعيّة أو إداريّة عليا في الدولة، فتصبح النسبة التي يقتضي إعادتها وتجميدها لمدة خمس سنوات هي 30% من قيمة التحويلات التي تمّت إلى الخارج”.
لكن ماذا إذا رفض كبار المودعين المساهمة في زيادة رأسمال المصارف وتعثرت هذه المصارف؟
تجيب المصادر: عندها تضع الدولة يدها وتحيل المصرف الى الهيئة المصرفية العليا. لكن تبيّن أن اكثرية المودعين الكبار تجاوبوا مع القرار والتزموا زيادة رأسمال المصارف واكدت المصارف ترحيبها به والتزامها تنفيذه برغم تسجيل بعض الملاحظات والتحفظات على بعض بنوده، إلاّ ان النتيجة النهائية لن تظهر قبل شهر شباط المقبل، عندما تنتهي الفترة الممنوحة للمصارف وللمودعين الكبار.
قد لا يُقنع هذا الكلام الكثير من الناس، خاصة انه أثار عاصفة من النقاش والانتقادات والترحيب والرفض، لكن هذا ما يحصل ويعمل عليه مصرف لبنان. وتبقى العبرة في النتائج الفعلية، ويبقى الاساس، حسب المصادر، تشكيل حكومة فاعلة وذات مصداقية.