الدكتورة أنيسة فخرو سفيرة السلام والنوايا الحسنة في المنظمة الأوروبية للتنمية والسلام الصراع الإيراني الصهيوني

الاحساء: زهير بن جمعه الغزال

يستشعر القارئ لكتاب نتنياهو (مكان تحت الشمس) الصادر عام 1993، الموقف العدائي تجاه إيران، فالمفاعل النووي الإيراني يمثل الخطر الحقيقي الذي يهدد وجود إسرائيل، وفي حال نجاح إيران تخصيب اليورانيوم، فإن ذلك سيحدث تغييرا في موازين القوى، وهذا التغيير قد يتطور ليؤدي إلى حرب إقليمية.
ولمواجهة هذا التهديد، فإن نتنياهو في كتابه الصادر قبل 27 عاما، يحثّ أمريكا والعالم إلى اعتماد سياسة الحصار والمقاطعة، وصولا لإجراء تغيير هيكلي في النظام الإيراني.
يقول الباحث أيمن درواشة: “عبر السنوات الماضية يلمس الجميع التحفيز التي يثيره نتنياهو للقوى الدولية لتوجيه ضربة عسكرية قاصمة لإيران، وفي كل مرة كانت تعصف بدعواه أحداث وتطورات سياسية وعسكرية تعارض فكرته في التصعيد، حتى أدرك غالبية المتابعين أن القرار العسكري لا يحظى بقبول وحماسة المجتمع الدولي بما فيه أمريكا”.
وللمقارنة، أحيل القراء إلى كتاب (المهمة الإنجليزية) لمؤلفه (جاك سترو) وزير الخارجية البريطاني الأسبق، الذي يشير فيه إلى العلاقة السرية بين إيران وإسرائيل، فبإلاضافة إلى صفقة السلاح الفضيحة المعروفة ب(إيران جيت)، يقول سترو:
“أنه خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980 -1988، كانت اسرائيل المُزود الأساسي للسلاح إلى إيران، والطرفان لم ينفيا المعلومة تلك.
وفي عام 1982 كان (دلس هيلي) وزير خارجية حكومة الظل العمالية في بريطانيا، يشكو شارون لأنه يمدّ إيران بالأسلحة، وطُلب منه التوقف عن ذلك، لكن الكيان الصهيوني استمر، لأنه قدّر إن العدو الأكبر هو العراق بحكم قربه جغرافيا من فلسطين، لذا من مصلحته دعم إيران، وكان وشيكا انتصار العراق في الحرب على إيران، لذلك قامت إسرائيل بتحطيم القوة الحربية الجوية العراقية.
وقد حاولت إيران قصف المفاعل العراقي لكنها فشلت، لذلك استعانت بإسرائيل لإنجاز المهمة، وزودت اسرائيل بالكثير من الصور الجوية للمفاعل العراقي، لتقوم بقصفه.
كما كانت الصفقة بين إيران واسرائيل تشمل يهود إيران، حيث وافق خامئني على سفر أي يهودي يرغب بذلك، فمن أصل 75 ألف يهودي إيراني، رحل 50 ألف منهم إلى فلسطين المحتلة، مما أفاد الموساد لاحقا في معرفة وضع الداخل الإيراني.
ويواصل سترو: لقد استمرت الصفقات المدروسة بين ايران واسرائيل لمدة ثمان سنوات، وتُقدّر قيمة التعاون العسكري بملياري دولار، وهو مبلغ كبير جدا آنذاك”.
وتاريخيا يكره الصهاينة (نبوخذ نصر) القائد العرآقي العظيم، على عكس القائد الإيراني (كورش الكبير) الذي بنى معابدهم وسمح لليهود الرحيل من العراق إلى القدس.
ونلاحظ الفرق بين علاقة إيران بإسرائيل في الكتابين، فقبل أربعين عاما، وفي بداية استلام الملالي الحكم في إيران، كانت العلاقة بينهما سمن على عسل، ولكن بعد أن أنجزت أمريكا واسرائيل المهمة بتحطيم العراق كليا، وسلمت رقبته إلى إيران لاستمرار ضعفه، وشحذ الصراعات الطائفية والقبلية فيه.
وبعد أن قويت شوكة إيران، جاء الآن دور الثور الأسود، حينما أصبح يشكل نسبيا تهديدا لإسرائيل، بوجود المفاعل النووي الإيراني، وتحول الصديق إلى عدو مبين منذ التسعينيات.
المهم للتوفيق بين (الصداقة والعداوة)، فإن الصيغة الواقعية المتاحة لكلا الطرفين، الإسرائيلي والإيراني على السواء، والتي تحظى بقبول دولي، باتت محصورة ضمن ما يُعرف بتوافق الطرفين على صيغة مشتركة للخلافات بينهما، بحيث يُظهر كل طرف حدود قوته ونفوذه في مساحة جغرافية على الأرض العربية، من خلال حرب الوكلاء، والاكتفاء بهذه الصيغة الدامية، باعتبارها ترجمة واقعية لحالة الصراع بينهما، وهذه الحالة من التوظيف يمكن تلمسها في العديد من أماكن الصراع في المنطقة.
ومن الواضح أن تلك الصيغة أتفقت عليها أغلب القوى العظمى، وأصبحت حرب الوكلاء واضحة جدا على الأراضي العربية فقط، من سوريا إلى العراق إلى اليمن إلى لبنان حتى ليبيا، وهذه الحروب شرطها عدم خروج منتصر فيها، لأن المتصارعين فيها مليشيات تُمثل القوى التي موّلتها وصنعتها، سواء إيرانية، أم صهيونية، أم تركية، أم أمريكية، أم فرنسية أوغيرها، لكن بدماء عربية، فالدم المسفوك يجب أن يكون عربيا، والخراب يشمل الأرض والبحر والسماء العربية فقط، ولا منتصر أبدا بشكل حاسم، لكي يستمر الصراع وتستمر تجارة السلاح معه، فالحروب تضمن عدم الاستقرار، وذلك يعني ضمان استمرار الفقر والتخلف والتبعية، في حين إن الاستقرار يمثل التعمير والبناء والنهضة.
والعراق مثالا حيا، فالجريمة البشعة التي اقترفتها الأيدي الدنيئة في الفرحاتية بمحافظة صلاح الدين، هدفها استمرار الفتنة الطائفية واستمرار سفك الدم العراقي، ومثلما أشعلوا الحرب الأهلية اللبنانية واستمرت 15 عاما، يواصلون اشعال فتيل الحروب الأهلية العراقية والليبية واليمنية والسورية واللبنانية. وللعلم فإن غالبية شيعة الوطن العربي عروبيون ولا يوالون ايران والطغمة الفاسدة لا تمثلهم أبدا .
أخيرا نستبعد قيام أمريكا بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، لكن لا نستبعد توجيه الصهاينة ضربة جزئية للمفاعل الإيراني، لأنهم يعتمدون دوما مبدأ القوة ويضربون عرض الحائط كل المعاهدات الدولية، ونسأل بألم: ما موقع العرب من الإعراب؟ ومتى يفيقون من غفوتهم الطويلة؟