التُجّار “الاذكياء” يتحدّون الازمة

كتبت جيسيكا حبشي في موقع mtv:

إن كان الاطبّاء والممرّضون هم جنود الصفّ الاوّل في المعركة ضدّ جائحة “كورونا” التي أصابت هذا القطاع في الصميم وجنّدته إجباريّاً ليخوض أقسى حروبه مع عدوّ مجهول المعالم والهويّة، فإنّ التجّار وأصحاب المصالح والمؤسّسات في لبنان هم بلا أيّ شكّ جنود الصفّ الثاني في الحرب نفسها، التي، وكما حصدت الارواح، فإنها قضت أيضاً على جنى عمر البعض، وهدمت الكثير من هياكل التّجارة والخدمات.

تكبّد قطاع التجارة والخدمات في لبنان الكثير من الخسائر التي لا تزال أرقامها ترتفع بشكل يوميّ على وقع ارتفاع سعر صرف الدّولار وعدّاد ضحايا الفيروس التاجي الذي شوّه معالم الحياة والروتين اليومي، وأجبر الناس على التزام المنازل والابتعاد عن مختلف أنواع التخالط، بالاضافة الى تغيير الكثير من العادات، والاستغناء عن الكثير من المقتنيات والمشتريات التي باتت غير ضرورية.

صرخة غالبية التجّار التي باتت أشبه بأنين مع تمدّد الازمتين في لبنان، يقابلها نشاط غير مسبوق في القطاع ذاته، ولكن ليس في المتاجر والاسواق والمجمّعات التجاريّة، وإنّما على صفحات ومواقع وتطبيقات أنشئت بهدف مواكبة التطوّر الرقمي وما يقدّمه من خدمات وتسهيلات في قطاع التجارة، فكان التجّار “الاذكياء” الذين واكبوا هذا التطوّر، السبّاقين في الاستفادة من أزمة “كورونا” لتنشيط أعمالهم والوصول الى الزبائن في بيوتهم، من خلال عرض منتجاتهم وخدماتهم عبر المنصات الالكترونية بطريقة تفاعليّة وبفضل إستراتيجيّات تسويقيّة جذّابة.
أمّا الاعمال والمؤسّسات والخدمات التي لاقت إقبالاً منذ بدء أزمة “كورونا” في لبنان فكانت تلك التي تتعلّق بالمأكولات ولوازم المنزل والتطهير والتعقيم في المرتبة الاولى، تليها المتاجر الالكترونية التي تبيع أدوات للرياضة على أنواعها (لممارسة الرياضة من المنزل بعد إقفال النوادي)، وصفحات الملبوسات ومستحضرات التجميل التي تستهدف المرأة بشكل مباشر. واللافت هو أنّ هذه المتاجر تقدّم تسهيلات عدّة للزبائن كالتوصيل المجاني، والدّفع عند استلام المشتريات بالليرة اللبنانيّة.

قطاعٌ آخر إستفاد من التسوّق الالكتروني في لبنان في زمن يعصف بشتّى أنواع الازمات، هو خدمة التوصيل الى المنازل التي ازدهرت بشكل جنوني، فكان روّاد الاعمال ومؤسّسو شركات التوصيل في لبنان من التجّار الذين كسبوا الرّهان في مواجهة الازمة، وحصلوا على ثقة المتاجر والزبائن على حدّ سواء لايصال الطلبات بسرعة قياسيّة مع الحفاظ على ضروريات التعقيم والتطهير والنظافة، وتماشياً مع تعميمي “المفرد والمزدوج” والاوقات المحدّدة للتنقّل في لبنان خلال فترات الاقفال.

بينما يقبع اللبنانيّون في بيوتهم منتظرين بارقة أمل على الصعيدين الطبّي والاقتصادي، ها هم ينفقون بعضاً من أموالهم التي أصبحت في المنازل أيضاً، في مؤسّسات أصحابها تحدّوا الازمات بإيجابية وبدهاء، وتأقلموا مع ما فُرض عليهم من قوّة قاهرة إيماناً بإستمراريّة دورة الحياة، فكانوا المستفيدين على حساب من فاتهم قطار التطوّر والتكنولوجيا والعالم الافتراضي، الذي بات، وللاسف، أفضل وأكثر أماناً من الواقع الذي نعيشه!