التدقيق الجنائي في الحساب العام…

كتبت سابين عويس في “النهار”:

أمّا وقد انتهى فصل المزايدات حول التدقيق الجنائي، والذي كان مسرحه الاسبوع الفائت مجلس النواب، على خلفية رسالة رئيس الجمهورية في هذا الشأن، بالمصادقة على قرار “يُخضع المصرف المركزي والوزارات والمؤسسات العامة والادارات والمصالح المستقلة والصناديق والمجالس للتدقيق الجنائي من دون اي عائق او تذرع بسرية مصرفية أو خلافها”، فإن فصلاً جديداً سيبدأ المتمسكون بالتدقيق كتابته، منعاً للسير في جنازة الإجراء الذي عملت الكتل النيابية على دفنه، وطيّ صفحته.

فعلى اهمية القوة التي يتمتع بها القرار الصادر عن المجلس النيابي، فهي لا تتجاوز البُعد المعنوي الذي لا يجعل منها قانوناً نافذاً، خصوصا ان القرار لم يُرفق بأي آليات تنفيذية تعبّد الطريق امام اجراء التحقيق الجنائي.

والواقع، كما يقول قانونيون، ان القرار وإنْ دعا الى اخضاع القطاع العام بكل مؤسساته للتدقيق من دون التذرع بالسرية المصرفية، الا انه لم يلغِها أو يبطل مفعولها. ذلك ان وقف العمل بالسرية يستدعي تعديلاً قانونياً لا يبدو ان المجلس النيابي مستعد له، بدليل انه لم يصدر قرار بعقد جلسة تشريعية لإقرار اي تعديل.

جلّ ما حملته جلسة البرلمان لا يتجاوز الاستجابة لرئيس الجمهورية بتلاوة رسالته ومناقشتها وإصدار قرار في شأنها.

مارست كل من مؤسستَي رئاسة الجمهورية ومجلس النواب صلاحياتهما وانتهى الامر عند هذا الحد، ليُطرح السؤال اليوم: ماذا بعد، وكيف يترجَم قرار المجلس؟

في القانون، امام حكومة تصريف الاعمال خياران يمكن اللجوء إليهما: إما تكليف وزير المال اعادة التفاوض مع شركة “الفاريز اند مارسال” للعودة الى استكمال عملها، وإما إنهاء العقد معها ودفع المترتبات المالية الناجمة عن فسخ العقد والذهاب الى التفاوض مع شركة جديدة للقيام بالعمل. وقد كشف وزير المال عن تلقّيه اهتماماً من احدى الشركات بذلك.

لكن في السياسة، لن تكون الامور بهذه البساطة، خصوصا ان الاصطفاف الحاصل بين فريق يصر على التدقيق وآخر يفخخ طريقه، رغم ان للفريقين الأهداف عينها بمنع التدقيق، ذلك ان الفريق المصر على التدقيق يتمسك به لعلمه انه لن يجد طريقه الى التنفيذ بفعل اصرار الفريق الآخر على تعطيله. وهكذا يُحمَّل هذا الفريق تبعة إسقاط محاولات مكافحة الفساد!

وفي الخلاصة، يبدو واضحاً ان الامور ستبقى معلقة حيث هي، وستعود الى مربّعها الاول، والدليل ان المصرف المركزي لا يزال يسير في استراتيجيته عينها، وتتلخص في مسارين: اناطة مسؤولية رفع السرية عن حسابات الدولة بوزارة المال، من خلال دعوة الوزير الى توجيه كتاب خطي بهذا المعنى الى “المركزي” ليفرج عن تلك الحسابات. وقد اعلن الحاكم ذلك صراحة بعد لقائه اخيراً رئيس الجمهورية، والرهان على تشكيل حكومة جديدة وتنفيذ مندرجات المبادرة الفرنسية، حيث يعول الحاكم على دور للمصرف المركزي الفرنسي في المساهمة في التدقيق، علماً ان اي دور يمكن ان يقدمه المركزي الفرنسي لا يتجاوز حدود التعاون في التدقيق المالي، ولا يرقى الى مستوى التدقيق الجنائي، الامر الذي يحاول كثيرون في السلطة السياسية تلافيه عبر اللجوء الى الفرنسيين للمساعدة وإبعاد كأس التدقيق الجنائي.

والواقع ان جوهر المشكلة ليس هنا. فالمخرج الذي قدمه قرار المجلس لا يحقق شيئاً. ذلك ان المشكلة لا تكمن في رفع السرية عن حسابات الدولة او القطاع العام، الذي لا يخضع أساساً لهذا القانون، وانما تكمن في رفع السرية عن حسابات القطاع الخاص الذي موَّل هدر القطاع العام!

فهل يكفي ان يستجيب وزير المال لطلب الحاكم بطلب رفع السرية عن الحسابات العامة لتُفتح الأبواب الموصدة أمام التدقيق؟ وماذا لو رفع وزير المال هذا الطلب، هل سيكون لدى الحاكم الاستعداد لرفع السرية عن الهندسات المالية وحركة الاحتياط، وبنية الفوائد، وسندات الخزينة؟

لقد اقتصر قرار المجلس النيابي على حسابات القطاع العام، ولم يشمل معه الحسابات الخاصة، رغم ان تمويل هدر القطاع العام وفساده جاء من طريق القطاع الخاص، وهنا القطبة المخفية التي تحتاج الى التفكيك ليكتمل عقد التدقيق. ولكن لا مؤشرات في الأفق الى ان هذا الملف سيسلك طريقه حتى النهاية، وانه لن يتجاوز حفلة المزايدات والتكاذب الحاصلة لمزيد من الشعبوية!