1500 موظف صُرفوا من القطاع المصرفي منذ بداية 2019 !!

كتبت سلوى بعلبكي في صحيفة ” النهار”:

ليس جديداً القول إن القطاع المصرفي شكَّل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، بدليل مساهمته على نحو فعال في تكوين الناتج المحلي الإجمالي، وتوفيره ما نسبته 60% من الحاجات التمويلية للقطاع العام، و30% من الإيرادات الضريبية، و50% من تمويل التجارة الخارجية، عدا عن توظيفه نحو 26 ألف موظف من ذوي المهارات العالية، بحسب جمعية المصارف.

وبعدما كان حجم موجودات القطاع المصرفي يفوق 4 أضعاف حجم الاقتصاد اللبناني، بدأ حجمه بالتراجع تدريجاً بعد اندلاع ثورة 17 تشرين، وبعد تعثّر الدولة في سداد سنداتها من اليوروبوندز التي تستحوذ منها المصارف على 10 مليارات دولار. كما شهد القطاع انكماشاً في الودائع بنحو 30 مليار دولار منذ بداية العام 2019 (نحو 20%) ترافق مع تقلّص في محفظة التسليفات بأكثر من 20 مليار دولار خلال الفترة عينها، وهو ما يمثّل ثلثي انكماش الودائع المصرفية.

وكان لتراجع عامل الثقة دوره الكبير في تدهور اعمال القطاع لاسباب عدة، منها تحوّل جزء كبير من التعاملات الاقتصادية الى خارج المصارف بسبب فقدان الثقة بها نتيجة الممارسات التي قامت بها خصوصا خلال فترة الاقفال الاولى التي تلت اندلاع الثورة، وكذلك بسبب تراجع دور الوساطة المالية التي هي سبب وعلّة وجود المصارف (أي تلقّي ودائع ومنح قروض)، يضاف الى ذلك التراجع الكبير في النشاط الاقتصادي والركود العميق الذي يشهده لبنان. ونتيجة كل ذلك، تراجع حجم موجودات المصارف من نحو 395.3 تريليون ليرة في نهاية شهر ايلول 2019 الى نحو 295 تريليون ليرة في نهاية شهر آب 2020. اي ان القطاع المصرفي اللبناني فقد ربع حجمه خلال سنة واحدة فقط، ومن المتوقع استمرار هذا الانكماش خلال الفترة المقبلة ليفقد القطاع ما لا يقل عن نصف حجمه قبل توقف التراجع. كما تراجع حجم القروض الممنوحة للقطاع الخاص المقيم من نحو 49.9 تريليون ليرة الى نحو 32.4 تريليوناً. هذا عدا عن الارتفاع الكبير في القروض المتعثرة التي سوف يتم شطبها في المستقبل القريب، بما سيؤدي الى مزيد من الخفض في حجم محفظة التمويل. يضاف الى ذلك، تراجع في حجم الودائع من نحو 185.7 تريليون ليرة الى نحو 171.5 تريليوناً بين شهري ايلول 2019 وآب 2020.

كل هذه الارقام تشير الى ضمور حجم القطاع المصرفي اللبناني ونشاطه وعملياته، والتي من الطبيعي والمنطقي ان يتبعها انخفاض في عدد المصارف العاملة، إذ قد تضطر المؤسسات المصرفية الأكثر تضرراً أو غير القادرة على رفع رأس مالها وفقاً لمتطلبات مصرف لبنان إلى الاندماج مع مؤسسات مصرفية أخرى، بما من شأنه أن يضمن تقليص عدد المصارف في القطاع. وإذا كان من الصعب تحديد عدد المصارف التي ستبقى على وجه التحديد، إلا أن المعلومات تشير الى أن المطلوب خفض شبكة الفروع بنسبة 30 إلى 40%.

واستتباعاً، فان إقفال مصارف وفروع سوف يؤدي الى تسريح عاملين في تلك المصارف، والذين يبلغ عددهم نحو 26 الفاً. مع الاشارة الى ان متطلبات الرسملة التي فرضها مصرف لبنان على المصارف (زيادة الرساميل بنسبة 20%)، مضافةً الى استحالة “اعادة تكوين” رأس المال لعدد غير قليل من المصارف التي تكبّدت خسائر ضخمة سواء في محفظتها من القروض أو بسبب استثمارها في سندات الخزينة وشهادات ايداع مصرف لبنان، بما سيؤدي الى تصفيتها.
وقد بدأت ظاهرة تسريح موظفين في المصارف بالظهور، حيث شهدنا فعلاً إقفال مصارف لعدد من فروعها وخصوصا في المناطق “المزدحمة” بالفروع المصرفية، او تلك التي توجد فروع لمصارف ضمن المجموعة المصرفية نفسها. أما بالنسبة الى عدد، أو النسبة المئوية للموظفين الذين سيتم تسريحهم، فلا يمكن تقدير ذلك لان المصارف لم تفصح عن خططها المتعلقة بالانتشار، وتاليا لا يمكن التنبؤ بذلك. إلا ان انخفاض حجم القطاع الى نصف ما كان عليه قبل 17 تشرين الاول 2019، يعطي فكرة عن الحجم الكبير من الموظفين الذين سيتم الاستغناء عنهم، وتاليا انضمامهم الى جيش العاطلين عن العمل في لبنان (بالتأكيد لن ينخفض العدد الى النصف).

استحقاق نهاية شباط
ينتظر الموظفون الاستحقاق الاكبر بالنسبة اليهم في نهاية شباط المقبل، إذ في حال لم تتمكن المصارف من التزام الإجراءات المطلوبة منها حتى شهر شباط فإن مصرف لبنان سيَضع يده على المصارف التي تفشل عبر تحويلها الى الهيئة المصرفية العليا، بما يعني كفّ المدير العام ومجلس الادارة وتعيين مدير لإدارة المصرف الى حين الانتهاء من التعثر، أو اتخاذ قرار بدمجه مع مصرف آخر، وتاليا ثمة علامة استفهام حول مصير الموظفين في هذه المصارف.
ويبدو واضحاً أن ثمة مصارف قد تجد صعوبة في التكيّف وتلبية المتطلبات في ظل هذا المناخ السائد حاليا، وسيتعين عليها الخروج من السوق، في حين أن مصارف أخرى ستكون قادرة على البقاء ومواصلة العمل، حتى لو كان ذلك يعني الاضطرار إلى بيع جزء من مؤسساتها التابعة في الخارج من أجل ضخ سيولة كافية لتعزيز رساميلها.

حيال هذا الواقع، يبدو التحدي كبيراً أمام اتحاد موظفي المصارف الذي يحاول، وفق ما يقول رئيسه جورج الحاج لـ”النهار”، الحصول على “تعويضات منصفة للموظفين الذين سيُصرفون من العمل، فما هو وارد في قانون العمل غير منطقي وغير مقبول في هذه الظروف، فيما التعويض المذكور في قانون الدمج المصرفي قد لا يفي بالغرض في هذه الظروف، وتاليا في حال لم يتم التفاهم مع مصرف لبنان على مبالغ التعويضات التي ستُدفع للموظفين فإننا متجهون الى التصعيد، إذ لن نرضى ان يصار الى صرف زملائنا من دون ان يكون للاتحاد اي تحرك، خصوصا في حال لم يكن التعويض عادلا، أقلّه تعويض راتب على فترة عامين، حتى يستطيع الموظف المصروف تأمين حياة كريمة لعائلته في انتظار تأمين فرصة عمل بديلة”.

وإذ ذكَّر بالتعويضات التي دُفعت لموظفي “بنك الجمال”، أكد الحاج “أننا سنطالب بمثلها للموظفين الذين سيستغنى عنهم في الفترة المقبلة”، مشيراً الى أن “التعويضات التي ستدفع بالليرة لن يكون في مقدورنا رفضها، خصوصا أن الازمة تطاول القطاع الخاص عموما ولن يكون القطاع المصرفي في منأى عنها”.
حتى الآن لا يبدو ان عدد المصارف التي زادت رأس مالها كبير فيما الوقت يدهمها. وأوضح ان هناك 35 وحدة مصرفية (لا يمكن اعتبار مصارف الاستثمار وحدة استثمارية قائمة بحد ذاتها كونها تابعة للمصرف الأم)، وأن “ثمة توجهاً لدى المصارف لنقل اعمال مصارف الاستثمار الى المصرف الأم من دون الاستغناء عن الموظفين… وكلما كان عدد المصارف التي لم تزد رأس مالها كبيرا كان عدد الموظفين المهددين بالصرف كبيرا. وفي حال افترضنا انه سيصار الى صرف 20% من الموظفين، فإن ذلك يعني نحو 5 آلاف موظف”.

منذ بداية الـعام 2019، لم يتجاوز عدد الذين صُرفوا من القطاع المصرفي حتى اليوم الـ 1500 موظف. وهذا العدد، وفق الحاج، “يشمل الموظفين الذين استقالوا من العمل طوعاً، واولئك الذين استقالوا بناء على عروض من إداراتهم، اضافة الى الذين صُرفوا مع حصولهم على تعويضات عادلة نوعاً ما مقارنة مع الموظفين الذين يتم صرفهم في القطاع الخاص”. إلا أنه يعتبر أن “الموظف الذي يخسر استمرارية العمل يصبح في المجهول، خصوصا إذا لم يكن قد أمَّن عملاً آخر”.