مهلاً… توزيع الأراضي ليس حلاً للأزمة الإسكانية

مع إعلان المؤسسة العامة للرعاية السكنية بدء إطلاق منصة إلكترونية لتسلُّم شهادات «لمن يهمه الأمر»، لبدء إجراءات استخراج أوامر البناء في مشروعَي مدينة المطلاع ومنطقة جنوب عبدالله المبارك؛ تكون المؤسسة قد خطت خطوة جيدة باتجاه تسليم شريحة مهمة من المواطنين سكنهم الخاص.

وشتان ما بين تسليم الأراضي للمواطنين لبناء منازلهم، وبين حل الأزمة الإسكانية، فالأولى قصيرة المدى محدودة المعالجة ترتبط فقط بأعمال البناء والمقاولات والبنية التحتية، وتكاليفها على الدولة غالباً جارية «استهلاكية» دون مردود تنموي أو اقتصادي. أما الثانية فترتبط بالاستدامة، وتمتد فيها المعالجة إلى قطاعات أوسع؛ كالحلول التمويلية والخدمات العامة، لاسيما الكهرباء وجودة الطرق والتركيبة السكانية من جهة ملف العمالة الوافدة وجودتها ومدن العمال، بحيث تنعكس حلول هذه القطاعات على الاقتصاد وحتى ترشيد مصروفات المالية العامة.

ضغوط الكهرباء

وبشيء من التفصيل، فإن تحديات معالجة الأزمة الإسكانية في الكويت تتجاوز مجرد توفير الأراضي لنحو 140 ألف طلب إسكاني، ما بين منتظري طرح المناطق الجديدة مستقبلا أو الحاصلين على تخصيص سابق من الرعاية السكنية لمناطق مثل المطلاع وجنوب صباح الاحمد أو غيرهما، فأزمة السكن في الكويت مرتبطة بشكل وثيق مع مصاعب إنتاج الطاقة الكهربائية، إذ تشير تقارير حكومية رسمية إلى أن أقصى إنتاج متاح للطاقة الكهربائية في الكويت حالياً، وفق أعلى درجات التأهب، يصل إلى 18 ألف ميغاواط، في حين تحتاج الكويت لبناء أكثر من 90 ألف وحدة سكنية إلى إنتاج نحو 29 ألف ميغاواط، لتغطية الطلب المتصاعد على خدمات الطاقة الكهربائية. هذا دون احتساب التوسعات الصناعية والخدمية والتجارية، التي من المقرر أن ترفع الطلب على الكهرباء إلى نحو 36 الف ميغاواط، أي ضعف الانتاج الاقصى الحالي لدولة الكويت.

وبالطبع أزمة توفير الطاقة الكهربائية في الكويت ليست في جانبها الإنتاجي فقط، من حيث بناء المحطات الجديدة، بل بشكل أدق في جانب كلفتها المالية السنوية

التي توازي حاليا ملياري دينار يتوقع أن تصل عند مضاعفة الانتاج الى 6 مليارات دينار بحد أدنى، أو 9 مليارات دينار بحد أقصى، وفقا لطبيعة الضغط على الخدمات والنمو السكاني والتركيبة السكانية وقتها، وهنا يجب فتح أن يكون لدى الدولة بدائل جوهرية في عملية معالجة تحديات الطاقة الكهربائية، فالكويت رغم أنها تستهدف -حسب الجهات الرسمية- توفير 15 في المئة من طاقة توليد الكهرباء من الطاقة المتجددة، بحلول عام 2030، فإنها لم تبلغ الهدف المعتمد منذ عام 2012 بإنتاج 3 في المئة من الطاقة الكهربائية من المصادر المتجددة في عام 2020، إذ تصل نسبة إنتاج «المتجددة» في الكويت حاليا إلى 1 في المئة فقط من حجم انتاج الطاقة المستهلكة.

مصاعب التمويل

لا شك أن من أهم التحديات التي تواجه القضية الاسكانية هو ما يتعلق بمصاعب التمويل، التي تتطلب رفع رأسمال بنك الائتمان بنحو 4 أضعاف، وصولا إلى 12 ملياراً كي يتمكن من تلبية طلبات المواطنين من قروض التسليف، خصوصاً للمدن الجديدة، في وقت تواجه فيه الدولة مصاعب سيولة وانحراف في أولويات الإنفاق، الامر الذي يستوجب إيجاد حلول لتنمية إيرادات بنك الائتمان، وربما حتى ايجاد صيغة تغطية وضمان، بالتعاون مع البنوك التجارية، ففي النهاية لا قيمة لتوزيع الأراضي على المواطنين إن حدث تعثر او تأخير في عمليات التمويل، وهو ما سيزيد من مدة التأخير على متقدمي الرعاية السكنية، الذين وصلت مدة انتظارهم هذا العام إلى 20 عاماً.

جمود السكنية

عند مناقشة مرونة المؤسسة العامة للرعاية السكنية في توفير البدائل لمتقدميها نجدها جامدة جداً في عملية إعادة صياغة لفلسفة الرعاية السكنية، فالمؤسسة تعلم اكثر من غيرها استحالة الاستمرار بسياسات التوزيع الأفقي الحالية إلى ما لا نهاية لصعوبات جغرافية وخدمية ومالية، لكنها لا تبادر في خلق منتجات مرتبطة بمحفزات؛ كالتوسع في البناء العمودي، او تصميم مساكن أقل حجماً من الحالية بقياسات ذكية وبمزايا تفضيلية، مثلاً في احتساب اسعار الكهرباء والماء، مع سرعة تسليمها للراغبين فيها، وغيرها من البدائل والمحفزات التي تنعكس إيجابا على الواقع الاقتصادي على الدولة، وأيضا الاسرة الكويتية؛ من جهة خفض أكلاف البناء وخفض حجم العمالة المنزلية أيضا، مع الاخذ بعين الاعتبار أن كل هذه البدائل لا يمكن أن يكتب لها النجاح إذا لم يلمس المواطن جدية في تسليم الوحدات السكنية بمواعيدها المقررة.

تعاون جماعي

لا شك ان حل القضية الاسكانية يتطلب تعاونا جماعيا من مختلف مؤسسات ووزارات الدولة، لكنه ايضا يستوجب ان يكون أولوية لدى الجهة المعنية، وهي مؤسسة الرعاية السكنية التي يجب أن تنسق مع مختلف الجهات في معالجة انحراف ومصاعب واقع السكن الخاص، خصوصا فيما يتعلق في تحوله لـ«عمارات استثمارية» تضغط على خدمات المناطق في الكويت، إلى جانب تشريع وسائل تمنع المتاجرة بالسكن الخاص، كوضع ضريبة تصاعدية على امتلاك أكثر من عقار، أو كلما ارتفع عدد صفقات البيع والشراء للشخص أو الشركة نفسها، للحد من الاستثمار والمضاربة في نطاق يتعلق بأمن المواطن الاجتماعي ومعيشته، فضلاً عن التنسيق مع الشركات المنتجة لمواد البناء؛ لتوفير احتياجات السوق في الفترة المقبلة، إلى جانب الترتيب مع الجهات المعنية فيما يتعلق بالعمالة ومدنها، وهذا كله يستوجب دوراً من المؤسسة يتجاوز مجرد توزيع الأراضي على المواطنين إلى إدارة ملف السكن الخاص بكل أبعاده.

 

جريدة الجريدة