«التدقيق الجنائي» ٧ أسئلة تحتاج إلى عدد أكبر من الأجوبة

كتب ذو الفقار قبيسي في جريدة ” اللواء ” :

الرئيس عون في خطاب الاستقلال، مصمّم على السير في التدقيق الجنائي حتى النهاية. ودون أي مساءلة حول أخطاء رافقت البداية تحتاج هي الى تدقيق بل الى تحقيق، وصولا الى ملابسات وأسباب قرار الشركة المدققة Alvarez & Marsal التخلّي عن المهمة، إضافة الى الاحتياطيات التي كان ينبغي اتخاذها قبل توقيع العقد والالتزام بـ 2.5 مليون دولار إذا طالت المهمة وقتا ومالا.

والبداية في الأسئلة:

أولا: بغض النظر عن مدى صحة أو خطأ الرأي القائل أن النص في قانون النقد والتسليف يفرض عقوبات على من يفشي أي سر مصرفي، لماذا لم تسعى الدولة – ورئيس الجمهورية بالذات المصمم في التدقيق حتى النهاية – الى تعديل أو تعليق هذا النص قبل توقيع العقد، كي يمكن بعدها إجراء المهمة بالكامل دون عقبات أو صعوبات، وتجنّبا لأي اجتهادات من نوع الاستشارة القانونية التي قضت بإمكانية التدقيق دون التعديل أو التعليق، وهي إستشارة لا تكفي ولم تكف على أي حال لحسم الجدل في الموضوع بصورة نهائية.

ثانيا: كيف حصل ان شركة تدقيق عالمية بهذا المستوى لم تتنبه الى أهمية ودراسة قانون النقد والتسليف لا سيما لجهة المادة ١٥١ واشتراط تعديلها أو تعليقها قبل توقيع العقد بدل الدخول في متاهات التفسيرات والاجتهادات؟ أم أن همّها الأول في حينه كان الحصول على العقد اعتمادا على ان الدولة اللبنانية قادرة على تجاوز نصوص مواد السرية المصرفية والحصول من مصرف لبنان على المعلومات المطلوبة دون أي عقوبات أو صعوبات؟

ثالثا: ما مدى صحة المعلومات ان العملية كلها جرى ربما «توضيبها» من الأساس بحيث تنتهي إلى الشكل الذي انتهت إليه، وأن أطرافا معينة في الدولة – وفي الشركة – كانت تعرف سلفا ان خواتيم الأمور لن تصل الى نتيجة وأن الملف سيقفل في النهاية بالاعتذار والانسحاب. والدليل انه رغم تمديد المهلة باصرار رئيس الجمهورية لثلاثة أشهر بانتظار تشريع من مجلس النواب بتعليق مواد السرية المصرفية لمدة ٦ أشهر أو سنة، لم تنتظر الشركة وانسحبت من طرف واحد ودون تقديم تقرير مفصّل ومقنع عن أسباب الانسحاب.

رابعا: هل كان يكفي تعليق أو تعديل مفعول المادة ١٥١ – وهذا إذا علقت أو عدلت من قبل النواب – لـ٦ أشهر أو سنة، لانجاز تدقيق جنائي في آلاف الملفات وربما عشرات آلاف الحسابات وبعشرات مليارات الدولار؟ في حين انه لمجرد المقارنة، فان تدقيقا جنائيا في موزمبيق في عدد قليل من الحسابات لم تتجاوز قيمتها ٢ مليار دولار استغرق إنجازه حوالى السنة، وفي بلد لا يشبه لبنان لا من حيث التركيبة الفئوية ولا السياسية أو الطائفية المعرقلة لأي تحقيقات حسابية كانت أم جنائية. والدليل انه رغم انقضاء أكثر من ٣ أشهر على تفجير مرفأ بيروت ما زال التحقيق في «علم الغيب»!

خامسا: وحتى لو استمر التدقيق وتوصل الى نتائج نهائية كيف كان يمكن استخدام نتائجه قضائيا دون اذن من الشركة المدققة التي – وكما سبق أن أشرنا في هذا المكان – لن تعطي الأذن الذي يعرضها لمقاضاة جزائية ومالية من قبل أي طرف وجّه إليه أي اتهام بناء على المعلومات الواردة في تقريرها، ثم ثبتت براءته من هذا الاتهام.

سادسا: وما دامت الدولة اللبنانبة كانت تعرف بالطبع عن هذا التحفظ الأساسي لدى الشركة، فماذا كانت الجدوى إذن من مهمة التدقيق»؟ إلا إذا من حيث تعرف ذلك كانت تسعى في الأساس للوصول الى «تدقيق لا يصل الى «تحقيق»!!. وقد سهّلت لها الشركة هذا الأمر وانسحبت ودون الاستفادة من مهلة الثلاثة أشهر الإضافية التي سعى وحصل عليها رئيس الجمهورية. وانتهى الأمر بوداع دون انتظار. وفي هذه الحال فان إعلان رئيس الجمهورية في خطاب الاستقلال انه مصمم على متابعة السير في التدقيق قد لا يتجاوز في النهاية الإطار السياسي والمعنوي.

سابعا: ما هي الأسباب الحقيقية التي استدعت عدم التعاقد مع شركة Kroll الأكثر خبرة وكفاءة في التدقيقات الجنائية من الشركة المتعاقد معها؟ وهل ان السبب بالفعل هو تعاملها مع إسرائيل في حين ان غالبية شركات التدقيقات الجنائية وغير الجنائية وغيرها من الشركات الكبرى في العالم التي يتعامل معها لبنان تتعامل مع إسرائيل، وشركة Alvarez & Marsal التي جرى التعامل معها ليست شركة عالمية صغرى، وقد تتعامل أو على الأقل لا ترفض التعامل مع اسرائيل، وما حصلت عليه من معلومات من لبنان يمكنها استخدامه بطريقة أو بأخرى إذا شاءت. وبالتالي فان الأسباب الحقيقية لاختيار شركة غير متخصصة كفاية في التدقيق الجنائي، ليست كافية لا من حيث طبيعة وملابسات المهمة أو المدة ولا من حيث قيمة العقد ولا من حيث النتائج.

بل ان العملية كلها بمجملها، من بدايتها «الاصلاحية» المعقدة الى نهايتها الفاشلة والخاسرة، تستحق أكثر من 7 أسئلة وتحتاج الى عدد أكبر من الأجوبة.