وداعاً للتدقيق…

كتب مجد بو مجاهد في صحيفة “النهار”:

في لبنان بلاد العجائب والغرائب، الأحزاب والقوى السياسية تزعم أنّها تريد التدقيق الجنائي وتدعمه في الشعارات لا في الممارسة، كما أنّها جميعها تردّد في خطبها نغمة مكافحة الفساد. لم تعد تصاريح من هذا النوع تنطلي على الشعب الذي يظهر اليوم أكثر من أيّ وقت في صورة الناقم على الطبقة السياسية. المحصّلة واحدة: غاب التدقيق كما غابت مكافحة الفساد، فيما الشعارات السياسية لا تطعم خبزاً في بلدٍ وصل انعدام الثقة بحكّامه إلى اقتصار أيّ مساعدة دولية مرتقبة في غياب الإصلاحات على أكياس الطحين. ويرى مراقبون أنّ مصطلح التدقيق الجنائي تحوّل في الأيام الأخيرة إلى طابة تتقاذفها الأحزاب اللبنانية في ملعب الصراع السياسي على مقلبين في ما بينها؛ رغم أنّ غالبيتها على المقلبين لا تريد التشريح، باستثناء بعض القوى التي حافظت على موقف ثابت وواضح منذ البداية.
يأتي ذلك في وقت يتدحرج فيه الوضع الاقتصادي نحو الأصعب وسط غيوم ملبّدة وفوضى آتية يعبّر عنها واقع زيادة أعمال السرقة والأحداث الأمنية، بحسب توصيف الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة لـ”النهار”، والذي يستقرئ أياماً صعبة آتية لن يغيب عنها التأزّم الذي سيؤدي أيضاً إلى فوضى كاملة على صعيد مؤسسات الدولة اللبنانية.
الفوضى التي يشير إليها عجاقة والتي ستطاول في رأيه مؤسسات الدولة، تأتي في مرحلة ما بعد انعدام بشائر الإصلاح وطيّ صفحة التدقيق الجنائي الذي يصفه بـ”الحقّ لكلّ مواطن على كامل مؤسسات الدولة ولا بدّ أن يكون كاملاً وشاملاً ليشمل وزارات الطاقة والأشغال والاتصالات والمرفأ والمطار ومجالس الصناديق وصولاً إلى أصغر مؤسسة عامة بما في ذلك مديرية سكّة الحديد. كما أنّ استعادة أموال المودعين تحتاج إلى تدقيق جنائيّ لأنّ معرفة أين ذهبت أموالهم تسهم في الحلّ. وعندما يشير ديوان المحاسبة، الذي يدرس الفارق بين الموازنة الموضوعة والمنفّذة، إلى 27 مليار دولار مجهولة المصير في إدارات الدولة، وعندما يرى الديوان أن الإنفاقات غير مبرّرة، فهذا يعني أنّ هناك مبلغاً كبيراً لم يُعرف كيف صرف”.
من زاوية قانونية، يعبّر المرجع القانوني ورئيس مؤسسة “جوستيسيا” بول مرقص لـ”النهار” عن مجموعة نقاط ترسم صورة رحلة لبنان مع التدقيق الجنائي وصولا إلى ما بعد طيّ صفحته الراهنة، في قوله إنّ “التدقيق يعتبر مدخلاً إلى الإصلاح لكن لا بدّ أن يندرج ضمن خطّة إصلاحية غير موجودة في لبنان. ويبحث التشريح المالي الجنائي مثلاً عن قروض أسيء صرفها وعن هندسات مالية من شأنها أن ترشد التشريح، فيكون هادفاً وتحصر المعوقات أمامه. في العقد الموقع مع شركة ألفاريز، هذا الموضوع غير واضح كما أن ثمة تشابكاً مع التدقيق المالي المحاسبي. ثم ماذا لو توصلنا إلى مخرجات outcomes رغم الشكّ بذلك بسبب عدم وضوح أهداف مهمة الشركة؟ هل ستكون النتيجة صالحة؟ وهل ستقدَّم وفق الآليات التي تصلح للمقاضاة في لبنان؟ وماذا سنفعل بها؟ هذا الموضوع غير واضح”.

بحسب مرقص، “لم تتمثّل المشكلة في رفع السرية المصرفية، بل في رفع الجماعات السياسية الغطاء عن زبائنها في الوزارات والإدارات والمجالس والصناديق والهيئات… وهذا الاستعداد غير متوافر لدى الجماعات السياسية. هنا تكمن المشكلة الحقيقيّة لا في رفع السرية المصرفية. ويمكن القول إنّ غالبية القوى السياسية المعنية بالتشريح، كانت تعلم وتدرك أن عملية التشريح التي انطلقت لن تفضي إلى نتائج لكنها أرادت لعبة شراء الوقت، التي أصبحت قديمة ولم تعد مجدية على اعتبار أن الموقف الدولي حازم”.

ويقول: “من البديهي أن يصل التدقيق الجنائي إلى الأموال التي أنفقت داخل الوزارات، لكن لا يجب أن يقتصر الموضوع على مصرف لبنان بل يتعلق أيضاً بوزارة المال والوزارات المعنية الأخرى”.

تكمن أهمية التدقيق الجنائي من زاوية دولية في قراءة مرقص، بـ”تحقيق الإصلاح باعتباره شرطاً من شروط التمويل الدولي ومن دونه لن تكون الدول والمؤسسات مستعدة للتضحية بأموال المكلّفين لديها بعد الآن. وتتعلّق أهميته في ضمان وجهة سير الأموال والقروض مستقبلاً، علماً ألّا علاقة مباشرة بين تقديم القروض والتدقيق الجنائيّ، لكنّ الحكمية الصالحة والإدارة الرشيدة هما بمثابة ضمانة لأنّ التشريح يبحث في حسابات الماضي، وهو مؤشّر إلى حسن سلوك مستقبليّ من قبل الجهة التي تطلب القروض ليس أكثر. ولا يعتبر التدقيق الجنائيّ بذاته ضمانة لحسن صرف الأموال مستقبلاً من قبل الدولة التي حصلت على القروض. وقد يُستخلص من التدقيق تصحيح التجاوزات عبر تغيير الآليات وجعلها أكثر أماناً لجهة ضبط عمليّة صرف الأموال من السلطة اللبنانية؛ لكن يبقى في الأذهان المثال القائل إنّ ضبط المواد الفاسدة في مطعم، لا يجعل من إدارته صالحة”.

تجدر الإشارة وفق ما يخلص مرقص، إلى أنه “لن يكون هناك جهات مانحة كثيرة في المستقبل بل جهات مقرضة، حيث يحرص الدائن أكثر على وجهة استعمال القرض لأنه ينطلق من خلفيات محاسبية، فيما ينطلق المانح من خلفيات تضامنية”.