لا دعم خارجي للبنان ولا آمال للمودعين بمعرفة مصير دولاراتهم

انتهت مغامرة التدقيق الجنائي والبلاد باتت على مشارف جحيم لا قعر له، بسقوط آخر الإصلاحات التي طلبها صندوق النقد وسائر المانحين، بعد أن سقطت في مراحل سابقة شروط إصلاحيّة أخرى، كخطّة الإصلاح المالي والكابيتال كونترول والتشكيلات القضائيّة وخطة الكهرباء وغيرها.

النتيجة الأولى لما حصل في مسار التدقيق الجنائي ستكون الإجهاز على ما تبقى من فرص يمكن أن يملكها لبنان للحصول على الدعم الخارجي، سواء من صندوق النقد أو غيره. مع العلم أن ملف التدقيق في أرقام مصرف لبنان بات اليوم يمثّل بالنسبة إلى الفرنسيين مسألة حياة أو موت، فيما أبلغ وفد الصندوق الوفد اللبناني بوضوح خلال المفاوضات السابقة أن أي دعم للبنان سيكون مستحيلاً من دون تفصيل أسباب تراكم الخسائر في ميزانيات المصرف المركزي والمصارف التجاريّة، ومن دون تحديد المسؤوليات بشكل واضح وصريح. أمّا عدم إجراء هذا التدقيق، فسيعني بالنسبة إلى الصندوق تكرار السيناريو مجدداً، وتبديد أي أموال سيتم منحها للبنان في إطار أي برنامج دعم للصندوق. مع العلم أن أحد أسباب عدم موافقة المجلس التنفيذي لصندوق النقد على منح لبنان مساعدات طارئة بعد إنفجار المرفأ، كان عدم استكمال مسار التدقيق في مصرف لبنان حتى ذلك الوقت، كما ظهر لاحقاً في المحاضر التي جرى تسريبها من الاجتماع العاجل الذي عقده المجلس بعد الانفجار.

لن تقتصر التداعيات على عرقلة أي مساعدات يمكن أن يتلقاها لبنان خلال المرحلة المقبلة. فعرقلة عمل آلفاريز آند مرسال على النحو الذي حصل، سيطعن عمليّاً في مصداقيّة الدولة اللبنانيّة، وسيحول دون تمكّنها من استقطاب شركات تدقيق أخرى في المستقبل، في حال أرادت الدولة إعادة إطلاق مسار التدقيق الجنائي من جديد، سواء في مصرف لبنان أو في أي من مؤسسات الدولة الأخرى. فأي شركة تدقيق جنائي دوليّة معتبرة، لن ترغب في المستقبل في التورّط بهذا النوع من المسارات مع لبنان، مع ما سيحمله هذا الأمر من مخاطر على سمعتها وشكوك في إمكانيّة نجاح التدقيق بأسره.

لم يكن رياض سلامة ليجرؤ على رفض التعاون مع التدقيق الجنائي على هذا النحو، مع ما يعنيه هذا الأمر من تداعيات على فرص البلاد في الخروج من أزمتها، لولا أنّه متيقّن من تكاتف معسكر كبير إلى جانبه، من مجلس النوّاب الذي لم تبادر كتله إلى تذليل العقبات القانونيّة، وسحب الذرائع التي تلطّى خلفها مصرف لبنان لعدم التعاون، إلى وزارة الماليّة التي صاغت بعناية عقد الدقيق الذي امتلأ بالألغام الكفيلة بتفجيره لاحقاً، وصولاً إلى العهد نفسه الذي لم يبادر إلى التدخّل لتعديل العقد منذ البداية. علم سلامة منذ البداية أن ما بحوزة مصرف لبنان من أسرار، كفيل بدفع الجميع للحرص على إسقاط التدقيق الجنائي، من دون أن يبذل الكثير من الجهد، تماماً كما علم أن تقاطع المصالح بين أرباب النظام المالي وأركان النظام السياسي، كان كفيلاً بالإطاحة بجميع الإصلاحات الأخرى.

في الخلاصة، سقط حلم التدقيق الجنائي، ومعه سقطت آمال المودعين بمعرفة مصير دولاراتهم، التي تلاشت في دهاليز المصرف المركزي. لن يعلم أحد خبايا الهندسات الماليّة، ولا ألاعيب العمليات الاستثنائيّة المكلفة التي حصلت في السنوات الأخيرة، كما لن يعلم أحد هويّة أولئك الذين تمكّنوا من تهريب الدولارات في عزّ الانهيار على حساب باقي المودعين. ثمّة أسرار لن تنكشف. ما سنشهده في الفترة المقبلة، ليس سوى بعض المناورات والعراضات غير المنتجة، كإرسال مشاريع قوانين تهدف إلى السماح بإجراء التدقيق الجنائي، قبل أن تنام مشاريع القوانين هذه في أدراج لجنة المال والموازنة، على النحو الذي نامت فيه مشاريع قوانين كثيرة. مع العلم أن ثمّة من بدأ بالترويج لمقولات تبرر التغاضي عن إجراء هذا التدقيق بأسره، كحالة النائب إيلي الفرزلي الذي بات يعتبر أن رفع السريّة المصرفيّة كفيل بالطعن بمصداقية النظام المصرفي، وكأن النظام المصرفي يعيش اليوم أجمل أيامه. ببساطة، من المستبعد أن تدب الحياة في مشروع التدقيق الجنائي، فمرتكب الجرم لن يسعى إلى الكشف عن ما اقترفت يداه.