انسحبت “ألفاريز” والدولار بـ8500 ليرة !

في حين انسحبت شركة “ألفاريز آند مارسال” من التدقيق الجنائي، يلامس سعر صرف الدولار الـ8500 ليرة على وقع الجمود الحكومي المفتوح والتهويل المتزايد عن نفاد الاحتياط. فالى أين؟

“نحن ذاهبون إلى الانحدار”، بهذا التعبير يختصر الخبير الاقتصادي والمالي د. لويس حبيقة، ما ينتظر لبنان في ظل النفاد القريب لاحتياطي المركزي وارتفاع الدولار، مع تأخير تشكيل الحكومة.

ويكمل أنّ لدى لبنان اليوم 19 مليار دولار من الاحتياطي النقدي، وما زال هناك نحو مليار ونصف المليار ليستخدمها المركزي لدعم المواد الأساسية من غذاء ودواء وبنزين، وسيضطرّ إلى ترشيد الدعم لكن لا يمكن الدعم باستمرار. واحتياطي مصرف لبنان قد يغطي فترة شهرين كحدٍّ أقصى للدعم، والآن يحاولون ترشيد إنفاق هذا الاحتياطي. وإذا لم تتشكّل الحكومة في غضون هذين الشهرين هناك مشكلة، عندها نحن أمام خيارين، إمّا استخدام الاحتياطي الالزامي أي الـ 17 ملياراً ونصف المليار بطريقة ما وإعلام اللبنانيين أنّه خيار موقت، إمّا ترشيد الإنفاق أكثر وأكثر لكي يمتدّ عمر المليار ونصف لأربعة أو خمسة أشهر، ريثما يتم تشكيل الحكومة.

ووفق حبيقة، تشكيل الحكومة بحدّ ذاته ليس الحلّ، إنّما هو الخطوة الأولى لقدوم المساعدات والقروض من الخارج، فالمشكلة أنّ الدولار لا يدخل إلى البلاد والناس خائفون وقلقون، ويشترون الدولار واليورو لهذا السبب، وهم محقّون، وذلك سيؤدّي إلى ارتفاع إضافي لسعر الدولار دون سقف محدّد. لذا، بحال عدم تشكيل الحكومة فإن وضع لبنان سيكون من سيّئ إلى أسوأ.

وبرأيه، كلّما طالت مدة غياب الحكومة سيسوء الوضع أكثر، فقرف اللبناني يزيد يوماً بعد يوم، خصوصاً لدى سماعه أنّ سبب عدم تشكيل الحكومة هو الاختلاف على الأسماء والجهات التي تعيّن هذه الأسماء. لكن في المحصلة، جميع الحكومات متشابهة، إنّما الفرق أنّ لا دخول للدولارات دون وجود حكومة. بالإضافة إلى انتشار كورونا والإجراءات المرافقة له، ما يدفع اللبناني إلى الانفجار، وهو “معلّق بحبال الهوا”، فالدولار إلى ارتفاع والاستثمارات ستتراجع، والنمو سلبي والهجرة ترتفع، “فاللبناني اليوم في دورة جهنمية”.

وعند رفع الدعم أو تقليصه، يشير حبيقة إلى أنّ “اللبناني سيصبح أفقر، فهو تحرُّك سلبي على جميع المستويات” بسبب الأسعار الخيالية التي ستشهدها السوبرماركت، فحال اللبناني ستتدهور لا نعرف إلى أين، والناس يحتفظون ببعض المدّخرات لكنّها ستنفد أيضاً.

غياب أي حلّ سياسي سيبقي لعبة الدولار قائمة

الأرقام التي يتمّ تداولها من احتياطي إلزامي بقيمة 17 مليار ونصف ومدة شهر لنفاد الاحتياطي ورفع الدعم وارتفاع سعر الدولار إلى 8500 ليرة، هي أرقامٌ تُبحث في السياسة وليس في الاقتصاد، لأنّ لا شيء في الاقتصاد يقول إنّ الدولار يرتفع أو ينخفض 1000 ليرة، وموضوع الاحتياطي الإلزامي هو سياسي أيضاً لأنّه من الممكن أن تكون نسبته 10 % أو 15%، بحسب الباحث في “الدولية للمعلومات”، محمد شمس الدين. لذلك، وفي ظلّ غياب أي حلّ سياسي، ستبقى هذه اللعبة قائمة. وطبعاً، كلّ تأخير في تشكيل الحكومة يعني مزيداً من الانهيار، فلبنان يعاني من انتشار كورونا ومن وضعٍ اقتصادي صعب أساساً، ومن تأزيمٍ سياسي، وجميع هذه الأسباب أوصلت البلد إلى المأزق الحالي.

وآلية الدعم كما هي معتمدة، هي خاطئة، وفق شمس الدين، ولا يمكن أن تستمرّ على حالها ولو حتى كان الاحتياطي كافياً، فدعم البنزين يستفيد منه التجار والأثرياء وليس الفقراء. فالفقير يستهلك صفيحة أو اثنتين من البنزين أسبوعياً، أمّا الثري فيستهلك صفيحتين يومياً، لذلك من الخطأ أن يستمرّ الدعم بهذه الطريقة لأنّه لا يصيب الفئات الأكثر فقراً وحاجة. ويُفترض توفير بطاقات لتستفيد السيارات الصغيرة من 50 أو 60 صفيحة من البنزين سنوياً، كذلك يجب أن تستفيد السيارات العمومية من السعر المدعوم ليبقى سعر السرفيس كما هو، على ألّا تستفيد السيارات الكبيرة والباهظة الثمن من هذه البطاقات.

وبعد مرور سبعة أو ثمانية أشهر على تطبيق الدعم، فات الوقت لتنظيم آليته، ومن الأجدى الذهاب الآن بطرقٍ أخرى للدعم، كأن تستورد وزارة الاقتصاد السلع الغذائية بتمويلٍ من مصرف لبنان، ويتمّ توزيعها عبر وزارة الشؤون الاجتماعية للأسر الأكثر فقراً، فاليوم لدينا منها 15 ألف أسرة، وقد يتوسّع البرنامج ليشمل 200 ألف أسرة.

ويؤكّد شمس الدين على أنّه في حال لم تتشكل الحكومة، لن يكون هناك سقف لارتفاع الدولار، “لأنّ الأزمة سياسية ومفتوحة ولا سقف لها”. فمن خلال العملة التي طبعها مصرف لبنان، يمكن أن يكون سعر الدولار 3500 أو 4000 ليرة، وليس 8000 أو 10000 ليرة، فسعر الدولار الحالي هو سعر سياسي نتيجة الأزمة السياسية، وبالتالي لا أحد يمكنه وضع سقف لهذا الارتفاع. وفي حال تشكّلت الحكومة، أي بعد تفاهمٍ سياسي، سينخفض الدولار حكماً، وليس من المفترَض أن يتجاوز الـ4000 ليرة، فالاقتصاد اللبناني لا يبرّر سعر 8000 أو 9000 أو أكثر للدولار.

وإذا تمّ رفع الدعم ولم تتوفّر البدائل المناسبة، سيضطرّ التجار الذين يحصلون الآن على الدولار من مصرف لبنان، إلى الحصول عليه من السوق السوداء بأي سعرٍ كان، وسيرتفع الطلب على الدولار لأنّ المعروض منه قليل، لذا سيكون ارتفاع سعره مؤكّداً. ولبنان اليوم يعوم على بحرٍ من الدولارات، لكنّها في المنازل وليس في المصارف، فباعتماد آلية دعم صحيحة، لن يتأثّر الفقراء بتداعيات رفع الدعم، إنّما الأغنياء فقط. وفي هذا الإطار، طالما أنّ الأزمة السياسية قائمة مع غياب الثقة، سيبقى الدولار على ارتفاع، فالناس يدّخرون الدولارات ويخافون إنفاقها، لكن في حال الانفراج، ستخرج دولارات المنازل إلى السوق وسيتراجع سعر صرف الدولار فوراً، على ما يقول شمس الدين.

انسحاب “ألفاريز آند مارسال”، تعقيدٌ إضافي للأزمة

وفي سياقٍ متّصل، قال وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني في تصريحٍ لـ”رويترز”، إنّ شركة استشارات إعادة الهيكلة “ألفاريز آند مارسال” انسحبت من التدقيق الجنائي لمصرف لبنان المركزي لأنّها لم تتلق المعلومات الكافية للقيام بالتدقيق.

كما أصدرت الرئاسة اللبنانية بياناً ذكّر أنّ وزني أخبر الرئيس ميشال عون بقرار شركة الاستشارات إنهاء عقد التدقيق، وهو مطلبٌ أساسي لتقديم دعم مالي خارجي لمساعدة لبنان على الخروج من أزمة مالية.