ظاهرة جديدة في لبنان…

خدمة جديدة في لبنان، أفرزتها الأوضاع الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار، تتمثّل بتأمين عاملات أجنبيات للمنازل من دون معاناة وانتظار ودفع ما يتربت على العاملات الشرعيات لوزارة العمل وشركات التأمين وبدل بطاقات السفر، إذ بدفع 400 إلى 500 ألف ليرة لبنانية للمكتب أو السمسار يمكن أن تحصل ربة المنزل على من يساعدها براتب شهري يصل إلى 150 دولاراً.

الاضطرار وراء مخالفة القانون

إذا كان ارتفاع سعر صرف الدولار أجبر عدداً كبيراً من السيدات على التخلي عن العاملات، إلا أن عدم قدرة البعض منهن على تحمل مسؤولية المنزل منفردة لأسباب مختلفة، دفعهن إلى اللجوء لاستقدام عاملات غير شرعيات، منهن هيام التي كما قالت لـ”النهار”: “قبل الأزمة الاقتصادية لم يكن يعاونّي أحد، إنما بسبب إصابة والدي بكورونا اضطررت إلى البحث عن عاملة للبقاء بجانبه، وبما أن أوضاعي المادية لا تسمح بدفع المبلغ المترتب على استقدامها وإنجاز معاملاتها، وبعد أن علمت من أحد أصدقائي أن أحد معارفه يمتلك مكتباً لاستقدام العاملات ويمكنه تأمين إحداهن في ذات اليوم مقابل دفع 400 ألف ليرة له؛ لم أفكر بالأمر وطلبت منه مساعدتي على الفور، وبالفعل اتصل به حيث أطلعه أن عاملة أثيوبية حاضرة للعمل، تريد مليون ليرة شهرياً، وبعد أخذ ورد وافق على 900 ألف ليرة، على أن يوصلها إلى منزلي في الشياح في اليوم التالي عند الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، إلا أنه لم يفعل. اتصلت به فأطلعني أن هناك من دفع لها 150 دولاراً شهرياً، وكوني مضطرة ولا يمكنني التأخر أكثر، وافقت أن أدفع 150 دولاراً، وما هي إلا ساعات وكانت في منزلي”.

أضافت: “لم أسالها عن أوراقها ولماذا تعمل بصورة غير شرعية، إذ كان همي أنّني وفّرت المال، ومن دون هذه الخدمة المستجدة في لبنان لما تمكنت من ذلك”، مشيرة إلى أنه “بعد أيام من ذلك وأثناء إطلاع صديقتي على ما قمت به أبلغتني أنها تعرف مكتباً تتقاضى منه العاملات بالليرة اللبنانية ولا يتجاوز الـ700 ألف ليرة”. وعما إن كانت تخشى من أن تتم مساءلتها لإقدامها على خطوة غير قانونية، أجابت: “لا علاقة لي بالأمر، فإن كانت العاملة هاربة أم لا، وإن كانت بلا إقامة فالأمر يعود لها وللمكتب الذي يشغّلها”.

ظاهرة قديمة… توسعت
صاحب أحد مكاتب استقدام العاملات الاجنبيات في الضاحية الجنوبية، أكد لـ”النهار” أن “ظاهرة عمل العاملات بطريقة غير شرعية ليست جديدة إلا أن الظروف المستجدة أدت إلى توسعها، فهروب العاملات من منزل مخدوميهم وعملهن في البيوت (على الساعة) أمر قديم، وإن كان ليس من مصلحة المكتب تشغيل أجنبيات من دون إجازة عمل أو إقامة، إلا أن الوضع الاقتصادي الصعب وتوقف الطلب على العاملات الشرعيات أجبر أصحاب المكاتب للدخول في هذا النفق”. وعن كيفية توصله إلى الاجنبيات اللواتي يحتجن إلى عمل، قال: “مجرد الوصول إلى واحدة، فإنها تُطلع صديقاتها اللواتي هربن من منازل مخدوميهن أو اللواتي تم تسريحهن، كما أن بعض الزبائن يُرجع العاملة إلى المكتب، في هذه الحالة تكون شريعة ويمكن أن تعمل شهرياً وحتى يومياً بحسب المجال الذي يُفتح لها”.

ملاحقات وإجراءات متعبة ومكلفة
مصدر في أمن الدولة أكد أنه “بمجرد وصول معلومة عن مكتب مخالف، نستدعي الشخص لاستجوابه، كما أننا نقوم بدهم الأماكن التي تضم أجانب سواء عمالاً أو غيرهم ممن لا يمتلكون إقامة شرعية، حيث يتم توقيفهم ومراجعة القضاء قبل تسليمهم إلى الأمن العام، طالما لا يتعلق الموضوع بأمر أمني، أي المسّ بأمن الوطن”، وأضاف: “يتم التعرف إلى المكاتب المخالفة إما من خلال تلقينا شكوى أو عند توقيف إحدى العاملات غير الشرعيات، وكشفها عنه”. وشرح: “من خلال مداهمتنا بعض المكاتب التي تشغِّل عاملات غير شرعيات اتضح أنه يتم وضع العاملات في شقق في الضاحية الجنوبية وزقاق البلاط وصبرا ومخيم مارالياس وغيرها”، وأشار إلى أنه “مع انتشار جائحة كورونا أصبح توقيف العاملات والعاملين غير الشرعيين مشكلة، كون توقيفه يعني ضرورة ترحيله ما يترتب على ذلك من دفع بطاقة سفر وغيرها، كما أن توقيف اي شخص وإدخاله إلى السجن يفرض إجراء فحص كورونا له أي إن الإجراءات أصبحت متعبة ومكلفة”.

نظرة قانونية
المحامية ندين عراجي شرحت لـ”النهار” أن “العلاقة بين أصحاب العمل والعاملات تعتيرها مشاكل سابقة على الأزمة الحالية، والتجاوزات تحصل بالجملة في ملف الخدمة المنزلية، ولا تقتصر فقط على دفع الراتب آخر الشهر، وعلى الأمن العام أن يتشدد كي لا تعمل العاملات بالعمل بطريقة غير نظامية، وهنا يقع جزء من المسؤولية على عاتق المكاتب لجهة طريقة الاستقدام، وتمتد إلى عدد كبير من موظفي وزارة العمل، لا سيما لجهة الاستمرار بإعطاء تراخيص جديدة، من دون مراعاة أدنى الشروط القانونية والأبعاد الإنسانية والاجتماعية للأمر”.

وأضافت: “تقوم غالبية المكاتب بتقاضي أجور شهرية من العاملات عن الأشهر الثلاثة الأولى لعملهن لدى أصحاب العمل، وذلك بطريقة مباشرة عبر الاتفاق معها وإلزامها على ذلك، أو عن طريق الاتفاق مع صاحب العمل، كما تطلق بعض تلك المكاتب على نفسها إسم مكاتب تنظيفات، وهي فعلياً مكاتب استقدام عاملات وعمال مخالفة، وتبرز ظاهرة غير صحية تتمثل عند اعتراض صاحب العمل على عدم قدرة العاملة على القيام بالمهام الموكلة إليها، عندها تعمد بعض المكاتب إلى استعادة العاملة لعدة أيام، لتدريبها على سرعة القيام بالأعمال المنزلية، وإلزامها على التجاوب مع طلبات صاحب العمل بسرعة”.

والملاحظ كما قالت عراجي “أن غالبية المكاتب ترفض ترحيل عاملة كانت قد استُقدمت وتم رفضها من قبل أكثر من صاحب عمل، لأسباب صحية أو ربما نفسية أو جسدية، فالمكاتب تقوم بتشغيلها في الفنادق أو المستشفيات أو حتى في المنازل، من دون حسيب أو رقيب”.

يضاف إلى ما تقدم، كما قالت عراجي، “هروب العاملة الاجنبية من منزل مخدوميها يسبب لها مشاكل جمة، من اعتبارها مقيمة غير شرعية بانتهاء مفعول إقامتها، فضلاً عن إمكانية ملاحقتها أمام القضاء، وتفقد بالتالي مبدأ الحماية القانونية نتيجة اعتبارها مقيمة غير شرعية، كما قد تصبح مجبرة على العمل بأمور غير أخلاقية نتيجة وقوعها تحت براثن تجار الأجساد والبشر”.