سلامة لـ”الاقتصاد”: الطبقة السياسية لن تسمح بإستمرار التحقيق الجنائي

نجحت الطبقة السياسية – كما جرت العادة – في إيهام الرأي العام أن ​قطار​ الإصلاح الحقيقي قد بدأ منذ نيسان الماضي، عندما أقرّ ​مجلس النواب​ إجراء تدقيق جنائي “forensie Audit” في حسابات ​مصرف لبنان​ بالتعاون مع شركة “كرول” العالمية.

 

لكن العقد لم يُوقع آنذاك بين ​الدولة اللبنانية​ وشركة “كرول” لأن وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني ومن وراءه إكتشفوا بسحر ساحر أن لهذه الشركةعلاقات مع “الموساد” وهذا الأمر سيؤدي إلى تسرب معطيات مصرف لبنان إلى العدو ال​إسرائيل​ي.

 

وبما أن الطبقة الحاكمة حريصة جداً على المال العام وعلى معطيات المصرف المركزي قررت الإستعانة بشركة “ألفاريز آند مارسال” ووقعت معها عقداً بتاريخ 28/7/2020 من أجل البدء بالتدقيق الجنائي، إضافةً إلى عقدين مع شركتي “Oliver Wyman” و “KPMG ” من أجل التدقيق المالي والحسابي.

 

ومع التواقيع الثلاث إنطلق قطارالإصلاح الذي وعد به رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ وعنوانه العريض ​مكافحة الفساد​.

 

لكن قدر هذا القطار أن يصطدم بمعوقات عديدة ك​السرية المصرفية​ وقانون النقد والتسليف وغيرها من الأمور التي قد تُعيق عمل ​الشركات العالمية​. وهذا ما حصل بالفعل.

 

فمنذ أيام هددت شركة “ألفاريز آند مارسال” بالإنسحاب بعد تمنع مصرف لبنان – بحجة القانون – من تسليم الشركة البيانات المطلوبة كافة، وعلى وقع هذه الخلافات، أعلن وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني أن البيانات المطلوبة ستكون جاهزة في غضون 9 أسابيع!

 

يستبعد الخبير المالي والاقتصادي سامر سلامة أن “يصل ملف التدقيق الجنائي إلى خواتيمه السعيدة رغم التمديد االذيأعلن عنه الوزير غازي وزني مؤخراً”،ويقول في حديثه لـ “الاقتصاد”: ” إذا عدنا بهذا الملف إلى بدايته نلاحظ أن هناك قطبة مخفية في طريقة إختيار الشركة التي تولت موضوع التدقيق الجنائي. فقد عمد وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال منذ البداية إلى إختيار شركة “كرول” العالمية وهي الأكفأ برأيي. ليكتشف بعدها أن لهذه الشركةعلاقات مع إسرائيل، وهذا الأمر كان حجة لإستبعادها والإتيان بشركة “ألفاريز آند مارسال” الغير مؤهلة أساساً، خصوصاً وأن صيت هذه الشركة سيء بعد الفضيحة التي لحقتها أثناء قيامها بتحقيق جنائي في ​قبرص​ وتبين أنها تواطأت مع حاكم المصرف المركزي القبرصي لمصالح خاصة”.

 

يضيف: ” إذاً، هذه الشركة غير مؤهلة أساساً للقيام بتدقيق جنائي، هذا فضلاً عن أن مثل هذا العمل يحتاج إلى سنوات من التدقيق والمراجعات، فكيف سيتم إنجازه في غضون أشهر قليلة وهنا تكمن اللعبة!”

 

برأي سلامة “ملف التدقيق الجنائي لن يستمر، وسيتوقف قريباً، ولن يصل إلى خواتيمه المُنتظرة، فكل ما يحصل اليوم يؤشر على ذلك. وقد سمعنا مؤخراً الرئيس المكلف يقول بأن ​رياض سلامة​ خط أحمر، وهذا يعني أن الحكومة الجديدة لن تتعاون بهذا الملف كما يجب وكذلك المصرف المركزي، وقد بدأنا نرىهذا الأمر خصوصاً بعد تمنع الأخير من إعطاءالبيانات المطلوبة تحت ذريعة السرية المصرفية. مع العلم أنه وأثناء القيام بالتحقيقات الجنائية تلجأ الشركات العالمية عادة إلى التركيز على مصدر الأموال التي دخلت إلى المصرف أو المؤسسة التي تتم دراستها وكيف صُرفت. بمعنى آخر من أين أتت الأموال إلى مصرف لبنان وكيف تعامل معها الأخير وأين صرفها. لذلك موضوع السرية المصرفية اليوم هي حجة يستخدمها المصرف المركزيلتمرير الوقت وإنسحاب شركة “ألفاريز آند مارسال” وبعدها تأتي الحكومة الجديدة ويُقفل الملف.فالطبقة السياسية بكل بساطة لن تسمح بإستمرار التحقيق وهذا الأمر شرحناه منذ البداية”.

 

يتابع: ” التحقيق الجنائي الحقيقي يجب أن يبدأ اليوم مع شركة لها مصداقية عالمية كشركة “كرول” على سبيل المثال، وأن تبدأ هذه الشركة تحقيقاً جنائياً ليس في مصرف لبنان فحسب، إنما في الوزارات كافة، كما ويجب رفع السرية المصرفية أثناء عملية التحقيق. هذا هو الحلّ الوحيد من أجل إسترداد ​الأموال المنهوبة​ ووضع لبنان على سكة الإصلاح الحقيقي، وبدون هذه الخطوات لا يمكن لعملية الإصلاح أن تبدأ”.

 

الأمور اليوم بحسب سلامة تتجه “إلى مزيد من التعقيد، فحتى هذه اللحظة لا يزال قانون الـ “​كابيتال​ كونترول” عالقاً ومصالح المنظومة الحاكمة هي المسيطرة. أما الحديث عن إمكانية إسترداد الناس ودائها بالعملة الأجنبية هومن نسج الخيال، فأمل الناس الوحيد يبقى بأن يستعيدوا ودائعهم بالليرة اللبنانية على الأقل”.

 

يختم سلامة” : حتى موضوع التعاون مع ​صندوق النقد​ أصبح بعيداً، لأن الأخير كان واضحاً منذ البداية. لذلك إن لم تلجأ الدولة اللبنانية إلى تطبيق الإصلاحات المطلوبة فصندوق النقد لن يُقرض لبنان دولارًا واحدًا، كذلك الأمر بالنسبة لأموال “سيدر” فالمجتمع العربي والغربي قال لنا بوضوح ساعدوا أنفسكم كي نساعدكم، وللأسف حتى هذه اللحظة ورغم الإنهيار الحاصل وكل الأزمات التي لحقت بنا لا توجد نية حقيقية لدى الطبقة السياسية للسير بعملية الإصلاح، وأكبر دليل موضوع التحقيق الجنائي ومارافقه حتى الآن من عراقيل”.