لهو الدولار بحياة اللّبنانيين: مضاربات وتطبيقات وهمية

يلهو سوق تسعير الدولار بأعصاب اللّبنانيين ولقمة عيشهم، وباتت يومياتهم تدور على إيقاع صعود وهبوط العملة الأميركية التي غيّرت حياتهم رأساً على عقب منذ عام تقريباً حتى اليوم. الدولار الذي لامس مبلغ 9000 في السوق السوداء وهي السوق الوحيدة المتاحة للبنانيين، هبط سعر صرفه عند تكليف سعد الحريري لرئاسة الحكومة بدون أي أسس علمية ليصل إلى ما دون الـ7000 ولا يزال يدور حول هذا الهامش صعوداً ونزولاً بما لا يتجاوز المائتي ليرة.

تسعير وهمي ومضاربات احتيالية وتطبيقات مجهولة تدار من الخارج مصادرها مجهولة، هكذا يعنون الخبراء ما يحصل في سوق بيع وشراء الدولار، لا سيّما أنّ التراجع الذي أصاب العملة الخضراء لم ينعكس على أسعار السلع الاستهلاكية ولم يحدث فرقاً بالنسبة للّبنانيين.

“كم الدولار اليوم؟” السؤال اليومي الذي يهذي بهواجس اللّبنانيين وقلقهم على قوتِهِم اليومي وعلى كيفية تسديد فواتير وأكلاف مقومات عيشهم. وتسعير الدولار الذي يغيب عنه المنطق العلمي يخضع لألاعيب مافيات مجرمة تحرّكه بكبسة زرّ عبر تّطبيق إلكتروني يحدّدَ سعر عملته الوطنيّة بدل مؤسسات الدولة. فيما يغيب الصرّافون المرخصون والمصنفون فئة أولى عن مشهد التسعير ويبقون عاطلون عن العمل إلى حدّ ما.

الأسعار التي يتمّ التداول بها في السوق مصطنعة، بحسب تعليق نائب نقيب الصيارفة ​محمود حلاوي​ على سعر صرف ​الدولار​ في السوق السوداء، ويقول في دردشة مع “أحوال” إنّها لا تستند على أي مؤشرات اقتصادية أو مالية، لافتاً إلى أنّها مجرّد أسعار تنشر عبر تطبيقات يتأثر بها المواطنون فيتهافتون للبيع والشراء. وإذ يشكّك حلاوي بمصداقية هذه التطبيقات يقول إنها مجهولة المصدر وتُدار من الخارج من قبل مجموعات “غير عادية” لافتاً إلى أنّ نقابة الصرافين راجعت المسؤولين حول هذه التطبيقات وأكّدت على أنّ إدارتها تجري من الخارج!.

وفي حين ينفي حلاوي قدرة أي صرّاف على التأثير على سعر صرف الدولار في السوق السوداء سلباً أم إيجاباً يرى أن “هناك جهات تتحكّم بهذا الأسعار وتستغل حاجات المواطنين لا خدمتهم”.

الانخفاض الدراماتيكي في سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء إثر تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، وارتفاعه السيء في حال استمرار التجاذبات السياسية وجمود التأليف يرخي مخاوفاً على أسعار الصرف بحسب حلاوي لأنّ الممسكين بالسوق السوداء هم “أشباح” يتلاعبون من داخل لبنان وخارجه عبر التطبيقات الإلكترونيّة وفق مصالح جهات مجهولة”.

وتفاقمت المتاعب الاقتصادية اللّبنانية وتعثّر سداد الديون الضخمة بالعملة الأجنبية في آذار الماضي، بعد سنوات من الهندسة المالية التي اتبعها المصرف المركزي للمساعدة في تمويل الحكومة. تراجع حجم كتلة اللّيرة اللّبنانية النقدية في الأسواق بسبب تعاميم مصرف لبنان الصادرة أخيراً والتي تحدّد آلية التداول باللّيرة لا سيّما مع الشركات المستفيدة من دعمه، وذلك بعد بلوغ الكتلة النقدية باللّيرة ما قيمته ٢٥ تريليون ليرة. ويتوقع حلاوي في هذا الشأن أن “يتراجع الدولار في حال تمّ تشكيل حكومة تطبّق الإصلاحات ودخول المساعدات المالية الخارجية”.

يحظى الصرّافون الرسميون بكميات ضئيلة من الدولارات تستخدم لتحويلات العمال الأجانب والطلاب في الخارج وفق تسعيرة 3900 ليرة لبنانية ما يقيّد عملهم في السوق.

وإزاء ذلك يطالب حلاوي بـ”إعادة الصيرفي المرخّص له لأداء دوره وممارسة عمله بشكل طبيعي فاليوم الصرافين الرسميين غير ناشطين في السوق النقدية وهم غير قادرين على شراء الدولار أو بيعه”ويضيف” سلامة وعد بالنظر في هذا الأمر عند مراجعته وفي لقاء معه يوم أمس أبدى تفهماً لمطالب الصرافين لا سيّما أن عودة الصرّافين إلى العمل بالصرافة سيحجّم مضاربات السوق السوداء وتتضح طرق وكميات التداول وأين تذهب الأموال”. لكنّ سلامة طلب انتظار تشكيل الحكومة ليكون هناك رافعة سياسية للخطوات المالية الجديدة ومناخ آمن حتى لا يصار إلى سوء فهم طبيعة عمل الصرافين. ويضيف حلاوي “كان هناك تجاوباً من سلامة، لأنّه مؤمن بالسوق الحر الذي سيريح السوق اللّبناني والمواطنين وسيصار إلى تشكيل لجنة تتألف من نائب حاكم مصرف لبنان وممثلين عن النقابة ليصار إلى دراسة الآلية التي سيتم العمل عليها لعمل الصرافين في المرحلة المقبلة وعودتهم إلى السوق. وقد اقترح الصيارفة عبر نقابتهم أن يكون هناك منصة واحدة رسمية يراجعها المواطنون والتجّار لتحلّ محل التطبيقات التي تديرها “الأشباح”.

مطالباً بـ”إعادة الصيرفي المرخّص له لأداء دوره وممارسة عمله بشكل طبيعي فاليوم الصرافين الرسميين غير ناشطين في السوق النقدية وهم غير قادرين على شراء الدولار أو بيعه” ويضيف “حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وعد النظر في هذا الأمر، لكنّه ينتظر تشكيل الحكومة”.

في غياب دولة المؤسّسات والقضاء المستقل والمحاسبة، ومع جمود احتمالات الانفراج السياسي، يتخوّف الخبراء من ارتفاع الدولار إلى أسعار قياسية جديدة مع انحسار النمو الاقتصادي وغياب المشاريع الإصلاحية وفقدان المساعدات الخارجية الموعود بها لبنان، إلّا إذا حصلت معجزة ما واستطاع لبنان الحصول على ما يقارب 10 مليارات دولار تعيد حركة دوران عجلة الاقتصاد. ويتفق الجميع على أنّ لا سبيل للخروج من الأزمة دون الاتفاق مع ​صندوق النقد الدولي​ وإجراء الإصلاحات على الرغم من شروط الصندوق الموجعة لكنّها حتى اليوم تمثل الممر الإلزامي للحصول على الدعم من الجهات و​الدول المانحة​.